في أداء قصيدة "صالح باي"، يبلغ محمد الطاهر الفرقاني مرتبة فنية لا يلامسها إلا الكبار، إذ لا يعود الصوت مجرد وسيلة للغناء، بل يتحول إلى وعاء يحمل ذاكرة مدينة، وهيبة تاريخ، وعمق مدرسة موسيقية ضاربة في الجذور.
كان الشيخ، حين يدخل إلى هذا النص، يفعل ذلك بثقة العارف بخبايا المألوف وأسراره، فينساب أداؤه محملاً بوقار خاص، يجعل من كل لفظة مشهداً، ومن كل مقام مساحة تُستعاد فيها ملامح قسنطينة بكل ما تختزنه من شموخ وجمال وعراقة.
في هذه القصيدة تحديداً، يظهر تفرده واضحاً، إذ يطوع الجملة الموسيقية برهافة نادرة، ويمنح النص التاريخي امتداداً وجدانياً يجعل المستمع يعيش المعنى قبل أن يسمعه. كان صوته يعلو في مواضع الهيبة، ثم يلين حيث يقتضي الإحساس، في توازن دقيق بين القوة والتعبير، وبين الصرامة والجمال.
ولعل سر هذا التألق يكمن في ذلك الحضور الفني الذي لا ينفعل؛ حضور الفنان الذي لا يكتفي بأداء القصيدة، بل يبعث فيها روحاً جديدة، فتخرج من إطارها الغنائي إلى فضاء أوسع، حيث يلتقي التاريخ بالفن، وتلتقي الكلمة بالنبرة التي تحفظ لها مقامها.
هكذا ظل الحاج محمد الطاهر الفرقاني، في هذا اللون كما في غيره، عنواناً للأصالة