@xh__32: تُعد حكمة الإمام علي (ع): "شيئان لا يعرف فضلهما إلا من فقدهما: الشباب والعافية"، دستوراً أخلاقياً وواقعياً يختصر فلسفة الحياة في عبارتين. هاتان النعمتان هما الركيزتان اللتان يقوم عليهما كيان الإنسان، لكن المفارقة تكمن في أن طبيعة البشر تميل إلى الاعتياد، فالشيء المتاح والموجود بكثرة يفقد بريقه في العين، حتى إذا رحل، انتبه الإنسان لحجم الفراغ الذي تركه. أولاً: جوهرة الشباب الشباب ليس مجرد مرحلة زمنية تقع بين الطفولة والكهولة، بل هو "شعلة" من الطاقة، والقدرة على الحلم، والجرأة على التغيير. في هذه المرحلة، يمتلك الإنسان أثمن عملة في الوجود وهي الوقت، مقرونة بالقدرة الجسدية والعقلية.الإمام علي (ع) ينبهنا إلى أن الشاب غالباً ما يستهلك أيامه وكأنها مورد غير ناضب، فيسرف في تضييع الوقت أو التأجيل. لكن الحقيقة أن الشباب "ضيف سريع الارتحال"؛ وما إن تبدأ تجاعيد الزمن بالظهور، حتى يدرك المرء أن تلك القوة التي كان يستهين بها كانت هي المحرك لكل إنجازاته. فبالشباب تُبنى الأمم، وبالعزيمة الفتية تُذلل الصعاب، ومن فاته استثمار شبابه في العلم والعمل الصالح، عاش بقية عمره يقتات على الندم. ثانياً: تاج العافيةإذا كان الشباب هو الوقود، فإن العافية هي "القاعدة" التي يقف عليها كل شيء. قيل قديماً: "الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى". الإنسان في حال صحته يخطط للسفر، والعمل، والجمع، والاستمتاع، وينسى أن كل هذه الخطط معلقة بخيط رفيع هو سلامة بدنه.بمجرد أن يصيب الإنسان عارض صحي بسيط، تتقلص كل طموحاته العريضة لتنحصر في أمنية واحدة: "أن يزول الألم". هنا تظهر عظمة حكمة الإمام؛ فالعافية نعمة "خفية"، لا نشعر بوجودها لأننا نعتبرها حقاً مكتسباً، بينما هي في الواقع رزق يتطلب الرعاية والشكر. وبدون العافية، يصبح المال عبئاً، والجاه هباءً، واللذات بلا طعم.التكامل بين النعمتين الخطر الأكبر هو اقتران فقدان الاثنين معاً؛ فمن يضيع شبابه في الخمول أو العبث، ثم يجد نفسه في مواجهة الشيخوخة ببدن عليل، يكون قد خسر معركة الحياة مبكراً. إن الحكمة العلويّة تدعونا إلى "الاستباق"؛ أي أن ندرك قيمة ما نملك "قبل" أن نفقده.الوعي بهذه الحكمة يحول حياة الإنسان من حالة "الغفلة" إلى حالة "اليقظة". فالمؤمن العاقل هو من يجعل من شبابه مزرعة لآخرته ولمستقبله، ومن صحته وسيلة لخدمة الخلق والتقرب إلى الخالق. الخاتمة إن مقولة الإمام علي (ع) ليست دعوة للتشاؤم أو الخوف من المستقبل، بل هي دعوة لاستثمار اللحظة الراهنة. هي صرخة في وجه التسويف، وتذكير بأن دوام الحال من المحال. فالسعيد من اتعظ بغيره، وأدرك أن القوة ستتحول يوماً إلى ضعف، وأن الحركة سيخلفها سكون؛ فبادر قبل أن تغيب الشمس، واشكر الله على ما تملك قبل أن تبكي على ما فقدت. #حكمة #الامام_علي #الشباب #العافيه #فلسفة