@nejibaccouchi2023: محنة سبينوزا في 27 من يوليو سنة 1656، في مدينة أمستردام، داخل الكنيس اليهودي الكبير، كانت وجوه الناس واجمة. منذ أيام، لا شيء يتردد على ألسنة الطائفة اليهودية البرتغالية بالمدينة إلا اسما واحدا: سبينوزا. شاب في ربيعه الثالث والعشرين، ينحدر من عائلة يهودية ذات مكانة مرموقة، هاجرت من إسبانيا ثم البرتغال إلى هولندا هرباً من جحيم محاكم التفتيش. تلميذ متفوق في المدرسة التلمودية، ومحل تقدير من طرف حاخامات الجالية. لكن هذا الشاب الخارق الذكاء تجرّأ في يوم ما على التفكير خارج السرب: تجرّأ على الشك في فكرة خلود الروح. تجرّأ على التشكيك في موسى وتوراته. تجرّأ على القول أن في الكتاب المقدس عدة أخطاء تاريخية. وتجرّأ على رفض فكرة شعب الله المختار. هذه الأفكار أثارت غضب الحاخامات الذين طالبوا بمحاكمته أمام الجالية اليهودية في أمستردام. الغريب أنه قبل ستة عشر عاماً، في هذا الكنيس نفسه، وقف أوريال دا كوستا — فيلسوف يهودي برتغالي، مثله تماماً — يدافع عن نفس الأفكار تقريباً، بنفس التحدي. فعاقبوه بالنفي عن الطائفة لمدة خمسة عشر عاماً. وليعود إلى الجماعة، أُجبر على طقس إذلال لا يُنسى: جَلدوه أمام المصلين. ثم ألقوا به أرضاً — عند باب الكنيس. وعند المغادرة، لم يخرج أحد دون أن يدوس عليه بِنَعله. واحداً واحداً. الكل. الأصدقاء قبل الغرباء. الحاخامات أرادوا سحق الفكر تحت نعال الدهماء. طفل صغير اسمه باروخ سبينوزا… كان هناك بمعية والده، ورأى بعينيه كيف يموت الإنسان الحر. بعد ستة عشر عاماً… ها هو سبينوزا يقف في المكان نفسه. يواجه التهم نفسها. والحاخامات أنفسهم — أو من يشبههم. طلبوا منه أن يتراجع عن أفكاره، أن يستمر في ارتياد المعبد، أن يتظاهر بالولاء. فقط… أن يتظاهر. وفي محاولة أخيرة — يائسة — عرضوا عليه مالاً. معاشاً سنوياً. مقابل صمته. رفض سبينوزا. ليس كبرياء. لا. بل نزاهة. نزاهة فكرية لا تقبل المساومة. لأنه لا يريد أن يبدو على حق. بل يريد أن يكون على حق. عندها، قرر مجلس الحاخامات استخدام أقصى الوسائل. ساد الصمت المعبد، ونُطق بالحكم. "نحن سادة المعماد، بموجب مرسوم الملائكة وحكم القديسين، وبموافقة الرب تبارك اسمه، نطرد باروخ سبينوزا ونحرّمه ونلعنه بجميع اللعنات المدونة في سفر التوراة. … ليكن ملعوناً في النهار، وملعوناً في الليل… ليكن ملعوناً عند خروجه، وملعوناً عند دخوله… وإننا، لنخبر الجميع ألا يتحدث معه أحدٌ شفاهةً أو كتابة، ولا يُبدي أحدٌ له أي خدمة، ولا يسكن معه أحد تحت سقف واحد… ولا يقترب منه أحدٌ في نطاق أربعة أذرع، ولا يُقرأ أي بحث أو كتاب ألفه." لم يكن الحرمان الكنسي الصادر في حق سبينوزا مجرد إقصاء بسيط. بل كان اغتيالاً معنوياً. إنسان حي… مُستبعد من عالم الأحياء. الحاضر الغائب. حُرم من العائلة، حُرم من الميراث، حُرم من الأهل. والغلاة لم يتوقفوا عند هذا الحدّ. ذات يوم، تعرّض سبينوزا لمحاولة اغتيال بسكين على يد متعصب يهودي. نجا منها بأعجوبة، إذ مزّق السكين معطفه دون أن يمَسّ جسده. دفعه ذلك لمغادرة أمستردام نهائياً، واحتفظ طوال حياته بالمعطف المثقوب، ليتذكّر دائماً أن ثمن الحرية قد يكون الحياة. والاستبداد الديني لا يكتفي بطرد جسدك من الجغرافيا، بل يحاول طرد روحك من الوجود. بعد الحرمان الكنسي، لم يفقد سبينوزا مجرد جماعة. بل فقد عالماً بأسره. وحدث شرخ عميق في داخله. اسمه "باروخ"، في العبرية، يعني "مُبارك"، اسم محمّل بالتاريخ والذاكرة. لكن هذا العالم أُغلق في وجهه بلا رجعة. لذا حوَّل اسمه من "باروخ" العبري إلى "بنيديكتوس" اللاتيني. نفس المعنى. لكن اللغة مختلفة. كان سبينوزا المنبوذ ممزَّقاً بين أصوله وفكره. بين إرث أجداده والحقيقة. وهو لم يتخلَّ عن أصوله. بل اختار أن يمشي وحيداً. لكن خلف سبينوزا الفيلسوف… كان هناك أيضاً سبينوزا الإنسان. إنسان أسره الحب. لقد أحب كلارا ماريا فان دن إندن.Clara Maria van den Enden. لكن هذا الحب تحطم على شرط: أن يعتنق الكاثوليكية. رفض سبينوزا. وفقد الحب… كما فقد أهله وذويه. عاش سبينوزا حياةً متواضعة، متوارياً عن الأعين. كان يصقل العدسات — مهنة نادرة ودقيقة — لكن غبار الزجاج كان يتسلل بصمت إلى رئتيه، ليسرق منه الحياة شيئاً فشيئاً، حتى أودى به مرض السل في الرابعة والأربعين من عمره. وفي صمت تلك الورشة الصغيرة، بنى سبينوزا واحداً من أعظم المشاريع الفكرية في تاريخ الفلسفة. ✍️ نجيب البكوشي باحث وكاتب تونسي #سبينوزا #فلسفة #حرية_الفكر #التنوير

الأستاذ نجيب البكوشي
الأستاذ نجيب البكوشي
Open In TikTok:
Region: FR
Monday 04 May 2026 13:49:56 GMT
3608
261
12
40

Music

Download

Comments

noozad.nori
noozad nori :
شكر استاذ نجيب 🙏
2026-05-08 14:28:47
0
abbashamada99
Abbas Hamada :
شكرا جزيلا استاذ البكوشي
2026-05-04 18:50:45
1
shortwave0
Short Wave :
محتوى رائع جدا
2026-05-05 12:40:36
1
toumiuxnd0o
Nab TM :
شكرا لك أستاذ نجيب البكوشي وما أعظم سبينوزا لديه أيضا كتاب التأملات
2026-05-04 14:25:51
1
korinbealbe
L-Tingüri3M :
شكراً جزيلاً
2026-05-04 18:53:05
1
elfr133
ali :
شكرا استاد
2026-05-04 14:15:14
1
leonardokhk
KHK :
لا قيمة للحاخامات امام سبينوزا.
2026-05-04 18:47:07
1
sz.zsam
sz zsam :
Bravo ,vous nous facilitez l'accès à cette richesse intellectuelle. Merci
2026-06-06 11:02:55
0
momo39660
momo :
🥰🥰🥰
2026-05-04 17:28:17
1
da__t6
ابوطاهر ضياءمحمدعبد :
🌹🌹
2026-05-17 22:20:40
0
ahmedhaissne0
أحمد حسين :
❤️❤️❤️
2026-06-15 19:44:24
0
user8423498881285
سAلM :
🥰🥰🥰
2026-07-03 19:32:47
0
To see more videos from user @nejibaccouchi2023, please go to the Tikwm homepage.

Other Videos


About