@oda_sama1: إِذا اِعتادَ الفَتى خَوضَ المَنايا فَأَهوَنُ ما يَمُرُّ بِهِ الوُحولُ وَمَن أَمَرَ الحُصونَ فَما عَصَتهُ أَطاعَتهُ الحُزونَةُ وَالسُهولُ لطالما استوقف "الاعتياد" الإنسان بوصفه آفةً بشرية منذ الأزل؛ فالعينُ إذا ألِفت النعمة عميت عن تقديرها، حتى غدا هذا التآلف مفسداً للهبات. فالثري إذا اعتاد مظاهر الثراء لم يعد يراها شيئاً يُذكر، والجميل إذا اعتاد الجمال لم يعد يشعر بجاذبيته. فقد أسهب الناس قديماً، وعلم النفس حديثاً، في تناول هذا الجانب السلبي للاعتياد، ولكنَّ المتنبي كان له شأنٌ آخر؛ إذ أورد الجانب الإيجابي للاعتياد من منظورٍ ندرَ الالتفات إليه. فحين يقول المتنبي: إِذا اِعتادَ الفَتى خَوضَ المَنايا فَأَهوَنُ ما يَمُرُّ بِهِ الوُحولُ فإنه يضع قاعدةً في تحجيم المخاوف. إنَّ النفس التي ألفت مواجهة الأخطار الكبرى وصارت تقتحم غمرات الموت بلا رهبة، تتبدل لديها مقاييس الصعاب؛ فتغدو "الوحول" -وهي عثرات الطريق الطينية المزعجة- أمراً تافهاً لا يستحق الالتفات. الفكرة هنا تكمن في انتقال الحساسية النفسية؛ فالخوف لا يرتبط بحجم العقبة ذاتها، بل بمدى تمرس الإنسان بما هو أعظم منها. من صار الموت في عينه مألوفاً، لن تستوقفه أوحال الطريق، وهذا هو أسمى مراتب الاعتياد. ثم يبني الشاعر تدرجاً منطقياً يجعل من اقتحام "الممتنع" وسيلةً لتذليل ما سواه، فيقول: وَمَن أَمَرَ الحُصونَ فَما عَصَتهُ أَطاعَتهُ الحُزونَةُ وَالسُهولُ هنا يصف الشاعر حالة الانقياد التي تتبع القوة؛ فمن استطاع إخضاع القلاع المنيعة وفتح الحصون المستعصية، صار ما دونها من الأرض -سواء كانت "حزونةً" وعرة أو "سهولاً" ممتدة- منقاداً لأمره بالضرورة. إنها فلسفة التدرج؛ فمن قهر الأصعب، استكان له الأسهل. فالسيادة التي تُكتسب باعتياد كسر الاستعصاء، تخلق في الروح هيبةً تجعل العقبات العادية تبدو كأنها تخشى مواجهة صاحبها. ولم تكن هذه الرؤية النفسية عارضة في شعر المتنبي، فقد قال: تَمَرَّستُ بِالآفاتِ حَتّى تَرَكتُها تَقولُ أَماتَ المَوتُ أَم ذُعِرَ الذُعرُ؟ في هذا البيت، يصل الاعتياد إلى ذروته، حيث يتحول الإنسان من ضحية للنوائب إلى كيانٍ صلبٍ ألفَ الكوارث حتى أفقدها قدرتها على التأثير، بل صار "الذعر" نفسه يرتعد أمام ثباته. ولهذا تلقيب المتنبي بـ "فيلسوف الشعراء" هو استحقاقٌ لا ريب فيه؛ فقد أدرك بذكاءٍ فلسفي أنَّ الاعتياد الذي نخشى أن يسلبنا لذة النعم، هو ذاته السلاح الذي يسلبُ الشدائد هيبتها، ويجعل من النفس قلعةً صلبةً لا تهزها الريح ما دامت قد ألفت مواجهة العواصف. #شعر #ابيات #فصحى #المتنبي #كتابة