@mmpq439: أَعْلَمْ ـ أَيَّدَكَ اللهُ ـ أَنَّ مِنْ أَبْرَزِ التُّهَمِ الَّتِي نُسِبَتْ إِلَى الحسين بن منصور الحلاج تهمةُ ادِّعاءِ الألوهية، وقد شاع ذلك بين كثيرٍ من الناس. وسنُبَيِّنُ في هذا المبحث ـ إن شاء الله تعالى ـ بطلانَ هذه الدعوى، وفسادَ ما نُسِبَ إليه. أولًا: هل ادَّعى الحلاج الألوهية؟ الجواب: إنَّ هذه الدعوى من جملة الدعاوى التي ألصقها به العباسيون؛ بسبب محاولته إصلاحَ المجتمع، وانتقادَه للفساد والفتن والسلطة الجائرة آنذاك، فساعد ذلك على انتشار الأقوال المكذوبة عليه. والآن ننظر في كلامه نفسه: هل يدل فعلًا على ما اتُّهِمَ به؟ قال الحلاج: «مَن ظنَّ أنَّ الألوهية تمتزج بالبشرية، أو البشرية تمتزج بالألوهية، فقد كفر؛ فإنَّ الله انفرد بذاته وصفاته عن ذوات الخلق وصفاتهم، فلا يشبههم بوجهٍ من الوجوه، ولا يشبهونه بشيءٍ من الأشياء، وكيف يُتَصَوَّر الشَّبَه بين القديم والمُحدَث؟! ومَن زعم أنَّ الباري في مكان، أو على مكان، أو متصلٌ بمكان، أو يُتَصوَّر على الضمير، أو بتخيُّلٍ في الأوهام، أو يدخل تحت الصفة والنعت، فقد أشرك». — أخبار الحلاج، طبع القاهرة، ص 28 ـ 29. وهذا النصُّ من أقوى الأدلة على نفي دعوى الألوهية عنه؛ إذ صرَّح بتكفير مَن يقول بامتزاج الألوهية بالبشرية، وعدَّ ذلك شركًا وكفرًا. فكيف يُعقَل أن يدَّعي الإنسان شيئًا ثم يُكَفِّر القائلَ به؟! أليس في ذلك تناقضٌ ظاهر؟ وقد نقل ابن كثير في تاريخه أنَّ الحلاج أنكر ما نُسِبَ إليه، وقال: «أعوذ بالله أن أدَّعي الربوبية أو النبوة، وإنما أنا رجلٌ أعبد الله، وأكثرُ من الصوم والصلاة وفعل الخير، ولا أعرف غير ذلك». وكان يُكثر من قول: «سبحانك لا إله إلا أنت، عملتُ سوءًا وظلمتُ نفسي، فاغفر لي؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». وقد انتصر له القاضي الشافعي ابن شريح فقال: «إنَّ مثل هذا لا يدخل في القضاء، والأدلة غير ثابتة، والدليل غير موجود». ورُوي عن إبراهيم بن فاتك أنه قال: «لمَّا أُتِيَ بالحسين بن منصور ليُصلَب، رأى الخشبةَ والمسامير، فضحك كثيرًا حتى دمعت عيناه، ثم التفت إلى القوم فرأى الشبلي بينهم، فقال له: يا أبا بكر، هل معك سجادتك؟ فقال: بلى يا شيخ. فقال: افرشها لي. ففرشها، فصلَّى الحسين بن منصور عليها ركعتين. وكنت قريبًا منه، فقرأ في الأولى فاتحةَ الكتاب ثم قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾، وقرأ في الثانية فاتحةَ الكتاب ثم قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، ثم سلَّم وذكر أشياء لم أحفظها». — أخبار الحلاج، طبع القاهرة، ص 10 ـ 11. وهذا كلُّه يدلُّ على أنه كان يُظهر العبودية والخضوع لله تعالى، لا دعوى الألوهية. وأمَّا قولُه: «أنا الحق»، فقد أُسيءَ فهمُه، وحُمِل على غير مراده. قال نصير الدين الطوسي في تفسير كلامه: «فاستجاب الله دعوته، ورفع إنيته، حتى استطاع أن يقول: أنا مَن أهوى ومَن أهوى أنا. وفي هذا المقام يتضح أنَّ مَن قال: “أنا الحق”، ومَن قال: “سبحاني ما أعظم شأني”، لم يدَّعِ الألوهية، بل ادَّعى نفيَ إنيته، وإثباتَ إنية غيره، وهو المطلوب». — أوصاف الإشراق، ص 92. وجاء في الأنوار الجلالية: «وليس المراد من الاتحاد ما توهَّمه جماعةٌ قاصرو النظر، وهو أن يتحد العبد بالله ـ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا ـ بل المراد أن لا يرى إلا الله، ولا يلتفت إلى غيره. ومن هذا قول من قال: “أنا الحق”، ومن قال: “سبحاني ما أعظم شأني”، فلم يدَّعِ الألوهية، بل ادَّعى نفيَ إنيته بسلب إنية غيره». — الأنوار الجلالية، ص 136. وفي تذكرة العرفاء والعارفين جاء في الهامش: «الحلاج قال: أنا الحق، فلا غرابة في ذلك؛ فقد وجد الحقيقة الثابتة، وفني فيها». كما يقول لويس ماسينيون في كتابه آلام الحلاج: «حينما أشهر الحلاج قولَه: “أنا الحق”، كانت ذاته فانية». ثم يشرح أنَّ مراد المتصوفة بالفناء هو زوال تعلُّق النفس بنفسها، لا ادعاء الألوهية، وأن الإنسان يفنى عن إرادته وهواه حتى لا يرى إلا إرادة الله تعالى، وهذا عندهم معنى الفناء الروحي، لا الاتحاد الحقيقي بالله سبحانه. وبذلك يتضح أنَّ كثيرًا من الأقوال التي نُسبت إلى الحلاج قد فُهِمَت على ظاهرها دون الرجوع إلى اصطلاح القوم وسياق كلامهم، وأنَّ دعوى الألوهية المنسوبة إليه تفتقر إلى الدليل الصريح الثابت، بل إنَّ نصوصه نفسها تدل على خلاف ذلك. #explore #الشعب_الصيني_ماله_حل😂😂 #fyp #الحلاج #العرفان