@al.hashemi111: العقربُ في طريقِ السلوكِ إلى اللهِ يرمزُ غالبًا إلى السُّمِّ الخفيِّ الكامنِ في أعماقِ النفس؛ ذلك السُّمُّ الذي لا يظهرُ للناسِ سريعًا، لكنه يلسعُ القلبَ كلما اقتربَ العبدُ من مقامِ الصفاءِ. فقد يكونُ العقربُ كِبرًا مستترًا، أو حقدًا دفينًا، أو حسدًا صامتًا، أو شهوةَ انتقامٍ تتخفّى خلفَ صورةِ الصلاح. والعجيبُ أن العقربَ لا يهاجمُ دائمًا من بعيد، بل كثيرًا ما يكونُ مختبئًا تحتَ حجارةِ النفسِ التي يظنُّها الإنسانُ آمنة، حتى إذا غفلَ عن المراقبةِ خرجَ يلسعُه في لحظةِ ضعفٍ أو غفلةٍ أو فتور. ولهذا كان بعضُ العارفين يقولون: “أخطرُ أعداءِ السالكِ ما اختبأ في باطنه وهو يظنُّ أنه قد تخلّصَ منه”. أما الصراصيرُ فهي رموزُ الخواطرِ الدنيئةِ والعاداتِ المظلمةِ الصغيرةِ التي تتكاثرُ في زوايا النفسِ إذا غابَ عنها نورُ الذكر. فهي ليست كالعقربِ في شدّةِ السمّ، لكنها كثيرةُ الانتشار، مزعجةُ الحضور، تعيشُ في الظلمةِ والرطوبةِ والمواضعِ المهملة. وهكذا بعضُ صفاتِ النفس: تسويفٌ صغير، نظرةٌ محرّمةٌ يستهينُ بها العبد، غيبةٌ عابرة، حبُّ ظهورٍ خفي، تعلّقٌ بالخلق، فضولُ كلام، كثرةُ انشغالٍ بالدنيا، وكلُّها تبدو صغيرةً لكنها إذا تُركتْ تكاثرتْ حتى تملأَ القلبَ وتمنعَ صفاءَ الروح. فالصراصيرُ النفسيةُ لا تُهلكُ دفعةً واحدة، لكنها تُفسدُ الداخلَ ببطء. وفي السلوكِ إلى الله، لا يُقضى على هذه الرموزِ بالقوةِ الظاهرةِ وحدها، بل بالنور. فالعقربُ يموتُ إذا انكشفَ، والصراصيرُ تهربُ إذا دخلَ الضوء. ولذلك كان أولُ دواءِ النفسِ: الصدقُ مع الله، ثم كثرةُ المراقبةِ والمحاسبة. أن يجلسَ العبدُ مع قلبه كلَّ ليلةٍ ويسأل: ما الذي تحرّكَ في داخلي اليوم؟ أين غضبتُ لنفسي؟ أين فرحتُ بمدحِ الناس؟ أين أحببتُ الظهور؟ أين تكاسلتُ عن ذكرِ الله؟ فهذه المحاسبةُ تشبهُ رفعَ الحجارةِ عن أوكارِ العقاربِ وتنظيفَ زوايا البيتِ من الحشرات. ثم يأتي الذكرُ، فهو النارُ التي لا تحتملُها آفاتُ النفس. فالاستغفارُ يطهِّرُ السموم، والصلاةُ على النبي ﷺ تُليّنُ القلب، ودوامُ “لا إله إلا الله” يقطعُ جذورَ التعلّقِ بغيرِ الله. وكلما ازدادَ نورُ الذكرِ ضاقتْ أماكنُ اختباءِ هذه الآفات. ولهذا ترى بعضَ السالكين يكثرونَ من الأورادِ لا طلبًا للكثرةِ فقط، بل لأن القلبَ إذا خلا من الذكرِ عادتْ إليه حشراتُ النفسِ القديمة. ومن أعظمِ ما يقتلُ العقربَ الداخليَّ: التواضعُ الحقيقي. لأن العقربَ يعيشُ كثيرًا في أرضِ الكِبرِ الخفي. فإذا اعتادَ العبدُ كسرَ نفسِه، وخدمةَ الناس، وتركَ طلبِ المنزلة، ضاقَ على العقربِ مكانُه حتى يختنق. أما الصراصيرُ فتُقتلُ بالمجاهدةِ اليوميةِ الصغيرة؛ بغضِّ البصر، وقلةِ الفضول، وتنظيمِ الوقت، وحفظِ اللسان، وقطعِ أسبابِ الغفلة. فالأمراضُ الصغيرةُ لا تُهزمُ غالبًا بضربةٍ واحدة، بل باستمرارِ التنظيفِ الروحي. وكلُّ سالكٍ إلى الله سيمرُّ يومًا بمرحلةٍ يرى فيها هذه العقاربَ والصراصيرَ تخرجُ من داخله بكثرة، فيظنُّ أنه ازدادَ سوءًا، بينما الحقيقةُ أن نورَ الطريقِ بدأ يكشفُ ما كان مخفيًّا فيه منذُ سنين. فظهورُ الداءِ بدايةُ الشفاء، وانكشافُ ظلماتِ النفسِ علامةٌ على أن نورَ الله بدأ يدخلُ القلب. ولهذا لا ينبغي للسالكِ أن ييأسَ من كثرةِ ما يرى من عيوبِه، بل يحمدُ الله أن كشفها له قبلَ أن يموتَ وهو يظنُّ نفسَه طاهرًا. #السلوك_إلى_الله #تزكية_النفس #مجاهدة_النفس #نور_الذكر #مراقبة_القلب