@almtkarah041: صفحات ناصعة من التوجيه الروحي والعمق السياسي.. قصة التلمذة والصداقة التاريخية بين الرئيس موسى تراوري والشيخ بودمع بن سندي توثيق تاريخي لأمجاد آل أهل بادي الكرام إن القراءة الفاحصة لعمق ومكانة آل أهل بادي ولد الشيخ سيدي محمد الخليفة تضعنا أمام حقائق تاريخية دامغة تبرهن على أن هذه البيوت الكنتية العظيمة كانت دوماً شريكة في صياغة القرار وصناعة الاستقرار في جمهورية مالي، فنحن بفضل الله وتوفيقه نعتبر الكثير من الماليين تلاميذ لنا ونهلوا من معين مدرستنا الروحية والعلمية وفي مقدمتهم وأكثرهم من البمبارة وبعض الفلان الدغلي والكثير من مختلف مكونات هذا الشعب الأصيل، ومن أروع تلك الصفحات وأعلاها طرازاً هي علاقة التلمذة والصداقة الاستثنائية التي جمعت الرئيس المالي الراحل موسى تراوري بفضيلة الشيخ سيدي أحمد البكاي بودمع بن حمادي، المعروف باسمه سندي، حيث انطلقت هذه العلاقة من أنوار التربية الروحية وتلمذة الرئيس تراوري على يد الشيخ بودمع حتى امتدت هذه الرابطة الوثيقة لتصل معاً إلى سدة الحكم في باماكو، ومن الشواهد العظيمة على تقدير مكانة الشيخ وعلمه أنه عند اجتماع حمد الله الشهير الذي حضره جميع علماء مالي أمر الرئيس موسى تراوري بصفته رئيساً للدولة أن يصلي الشيخ بودمع بالناس إماماً متقدماً على كافة القامات تقديراً لسيادته الروحية، فكان الرئيس يكن حباً عظيماً وإجلالاً كبيراً للشيخ بودمع مما جعله يعينه نائباً في البرلمان مدى حياته دون حاجة لخوض انتخابات كما اتخذه مستشاراً أولاً ومقرباً في كل الشؤون العظمى للدولة، وكان الشيخ عندما يحل بالعاصمة باماكو ينزل في الثكنة العسكرية قاعدة باز العسكرية محاطاً بكل مظاهر التشريف وفي المقابل كان الرئيس موسى تراوري يقطع المسافات ليزور الشيخ في حلته العامرة في البدو مرات عديدة تجسيداً لعمق الوفاء والتواضع بين الحاكم وشيخه المربي. وتتجلى حكمة آل أهل بادي في أبهى صورها ومواقفهم الوطنية المشهودة في قصة ماروشت الذي كان شيخاً كبيرا من إيموشاغ وكان محكوماً عليه بالإعدام، حيث اجتمعت قبائل الطوارق آنذاك وأوفدت وفداً كبيراً إلى الحلة وكان الشيخ بودمع في ذلك الوقت يستقبل الأمير بادي ولد حمادي، وعندما سأل الأمير بادي الشيخ بودمع عن هؤلاء الوفود وما هي قضيتهم شرح له الشيخ جميع التفاصيل مبيناً أن ماروشت كان يمثل سلطة قاسية تسببت في مظالم كثيرة ونهب أموال الناس حتى صدر بحقه حكم الإعدام، ولكن بروح الشفقة وحقن الدماء وحكمة الشيوخ الكبار ورغبة في العفو والإصلاح تدخل الشيخ بودمع بجاهه ومكانته العظيمة لدى الرئيس موسى تراوري وتعهد له بأن ماروشت على ضمانته الشخصية وأنه قد تاب توبة نصوحاً وندم على ما فات، وبتلك الشفاعة الروحية والسياسية السامية وخُفف الحكم وأُطلق سراح ماروشت بعد سجن دام ست سنوات، وظل الرئيس موسى تراوري وفياً وصديقاً مخلصاً للشيخ بودمع حتى وافاه الأجل المحتوم في العاصمة باماكو في نهاية عام 1987، وحينها ونظراً للمكانة السيادية الكبرى للشيخ نُقل جثمانه الطاهر بأوامر مباشرة من الرئيس عبر طائرة عسكرية متوجهة إلى سيفاري مرافَقاً بوفد حكومي رفيع المستوى يتقدمه رئيس الوزراء السابق وبعض الشخصيات البارزة في الدولة، وعند وصولهم إلى سيفاري كانت الحشود الغفيرة في الانتظار وعلى رأسهم أسرة المشيخة الشهيرة آل أب همدون أب، حيث انطلقوا في موكب مهيب بالسيارات نحو الحلة وكانت أسرة أهل بادي بأكملها في استقبالهم عند الصالحين في يوم مشهود حزين ومهيب كان بمثابة يوم أسود على مالي قاطبة وعلى تلميذ المرحوم الرئيس وأسرته ومحبيه لفقدان هذه المنارة الروحية العظمى، مما يؤكد أن ارتباط أهل بادي بالدولة في مالي ومؤسساتها ورؤسائها ليس أمراً جديداً أو وليد الصدفة بل هو إرث سياسي وروحي متجذر قام على النصح الصادق وحماية السلم الاجتماعي وتوجيه الحكم نحو العدل والإنصاف وإعطاء كل ذي حق حقه. إن هذا التاريخ الحافل بالسيادة والتقدير المتبادل يوجه اليوم رسالة حكيمة وصريحة لصناع القرار في جمهورية مالي بأن الاستثمار الحقيقي لاستقرار البلاد وضمان لحمتها الوطنية يكمن في إحياء هذا العهد الوثيق وتقريب رجالات أهل بادي ودعمهم سياسياً وإعادتهم إلى زمام الأمور ومراكز التأثير كما كان آباؤهم سابقاً، فهم صمام الأمان الذي يمتلك الشرعية التاريخية والقبول الشعبي الواسع لحفظ أمن الوطن وسلامة العباد. ✍️ بادي بابا أحمد الكنتي - الناطق الرسمي باسم الخلافة العامة للطريقة القادرية المختارية الكنتية