@8.x.x.x: تمضي الحياة وتتغير أهواء الناس بسرعة البرق، تتبدل الوجوه وتتساقط الوعود كأوراق الخريف في مهب الريح. نجد أنفسنا فجأة في مقاعد المتفرجين، نسير في شوارع الأيام صامتين، غارقين في ليلٍ طويل لا ينتهي ضجيجه بالداخل، مهما ساد السكون من حولنا. كم هو غريب هذا العبور المستمر؛ نتشارك الطرقات مع العابرين، نجلس في نفس الحافلات أو السيارات، نتنفس ذات الهواء البارد، لكن لكلٍ منا غايته السرية، ومخاوفه المكتومة، ومعاركه التي لا يعلم عنها أحد شيئاً. نسير بلا وجهة حقيقية، ليس حباً في الضياع، بل بحثاً عن ملجأ نلوذ به من صخب عالم يطالبنا دائماً بأن نكون شخصاً آخر، عالم يركض بجنون نحو الماديات وينسى جوهر الروح. وفي نهاية المطاف، ندرك أن أثمن ما قد يملكه المرء في هذا الزمن المتسارع هو لحظة تصالح مع ذاته في عتمة الليل، حيث تتلاشى الأقنعة، ويسكن القلق، ونمضي هادئين، متقبلين فكرة أن الثبات الوحيد في هذه الدنيا هو التغير المستمر.