@ummassos: ليست السنوات التي مرّت هي ما يشغلني الآن، بل ما تركته في روحي من أثر، وما علّمته لقلبي من صبر، وما منحته لأيامي من معنى. فالعمر في النهاية ليس أرقامًا تُكتب في السجلات، بل حكايات تسكن الذاكرة، وأشخاصًا مرّوا بي فتركوا فيّ شيئًا منهم، وطرقًا سرتُ فيها أبحث عن نفسي قبل أن أبحث عن أي شيء آخر. أقف اليوم أمام حياتي بهدوء مختلف، وأتأمل المسافة التي قطعتها بين البدايات الأولى وهذا المكان الذي وصلت إليه. أتذكر أحلامًا كانت أكبر من يدي، وأمنيات كنت أظن أنها مفتاح السعادة كلها، ثم اكتشفت مع الوقت أن السعادة كانت تختبئ في التفاصيل الصغيرة التي كنت أمرّ بها على عجل دون أن أنتبه إليها. تعلمت أن الحياة لا تسير دائمًا كما نشتهي، لكنها غالبًا تأخذنا بلطف إلى حيث نحتاج أن نكون. وأن كثيرًا من الأشياء التي بكيتُ لفقدها كانت تمهّد لي طريقًا أجمل منها، وأن بعض الأبواب حين أُغلقت في وجهي لم تكن قسوة، بل رحمة لم أفهمها إلا بعد حين. مرّت بي الأيام برفق، لتعلّمني أن الخسارة ليست دائمًا نهاية، وأن التعثر لا يعني الفشل. كم مرة ظننت أنني وصلت إلى آخر الطريق، ثم اكتشفت أن في داخلي قوة تنهض من جديد، وأن هناك نافذة صغيرة تُفتح حين أظن أن كل شيء مغلق. وكم مرة حمتني الحياة من أشياء كنت أظنها حلمي الأكبر، ثم فهمت لاحقًا أنها لم تكن لي من الأساس. وفي القلب حنين لا يشيخ، حنين إلى وجوه غابت، وإلى أيام كانت أبسط وأخفّ على الروح. أشتاق إلى ضحكات كانت تأتي بلا سبب، وإلى أحلام كانت تكبر معي كل صباح. لكنني لا أنظر إلى الماضي بحسرة، بل بمحبة وامتنان، لأنه شكّلني بلطف، وصنع منّي امرأة أكثر وعيًا وهدوءًا واتساعًا. أبتسم كثيرًا حين أتذكر نفسي في سنواتي الأولى؛ تلك الفتاة التي كانت تخاف كثيرًا، وتقلق كثيرًا، وتظن أن كل انكسار نهاية العالم. لو استطعت أن ألتقي بها اليوم، لقلت لها: لا تخافي إلى هذا الحد، فالحياة ألطف مما تظنين، والله يدبّر لكِ من الخير ما يفوق خيالك. لم يعد يغريني أن أصل قبل الجميع، ولا أن أُثبت شيئًا لأحد. أصبحت أبحث عن الطمأنينة أكثر من أي انتصار، وعن سلام القلب أكثر من ضجيج الإنجاز. فما قيمة الوصول إذا فقدتُ نفسي في الطريق؟ وما قيمة كل ما يُنجز إذا عدتُ في النهاية بقلب لا يعرف السكينة؟ وحين أنظر إلى المرآة، لا أرى ما أخذته السنوات مني، بل أرى ما منحته لي. أرى ملامح أكثر هدوءًا، ونظرة أكثر فهمًا، وقلبًا أدرك أن لكل روح ما يثقلها وما يؤلمها، فامتلأ رحمةً ولينًا واتساعًا. أرى امرأة لم تُكسرها العثرات، بل صقلتها، ولم تُطفئها التجارب، بل أضاءت فيها نورًا مختلفًا، أهدأ وأعمق. لقد مرّت بي الحياة برفق، لتعلّمني أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى إجابة، وأن بعض الأمور يكفي أن نتركها للوقت، وأن أجمل ما في الغد أنه يأتي دائمًا محمّلًا بما لم نتوقعه. وعلّمتني أن أجمل العلاقات هي تلك التي تمنح الروح أمانًا لا ضجيجًا، وأن الحب الحقيقي هو الذي يترك في القلب طمأنينة لا تُقال، بل تُشعر فقط. وما زال في روحي متسع لأحلام جديدة، وما زالت هناك طرق لم أمشِها بعد، وأمنيات تنتظر أن تكتمل، وأشياء جميلة لم تأتِ بعد. ما دمتُ أتنفّس، وما دامت في قلبي هذه القدرة على الحلم، فالحياة ما زالت بخير. لهذا أمضي إلى الغد بقلب أكثر خفة، وروح أكثر امتنانًا، وثقة هادئة بأن القادم مهما كان يحمل لي خيرًا يليق بي، ويليق بكل ما صبرتُ لأجله بصمت. ام السوس 🌸