@r2132001: ريت الله لا هنّاك يمضيّع هنانا لم تكن أغنية (ريت الله لاهناك يمضيع هنانا) مجرد كلماتٍ تُغنّى، بل كانت حكايةَ فتاةٍ سُلب منها حقُّها في الاختيار، وصورةً موجعةً من صور الحب العذري الذي دافع عنه أبونجاح الغضيب، وجعل من صوته منبراً للمظلومين من العاشقين والمعشوقات. تبدأ الحكاية بفتاةٍ أحبّت وأُحبّت، نسجت من أحلامها جنّةً صغيرةً، وظنّت أن الأيام ستقودها إلى من اختاره قلبها، لكنها وجدت نفسها في مواجهة أبٍ لم ينظر إلى دموعها ولا إلى رجائها. كان قد عقد العزم على تزويجها من رجلٍ لا تريده، وكلما حاولت أن تشرح له ما في قلبها ازداد تصلباً وقسوةً، حتى بلغ بها اليأس أن رفعت يديها بالدعاء عليه من شدّة ما نزل بها من ظلمٍ، وهي ترى أن ما يفعله ليس إلا هدماً لعالمٍ كاملاً بنته بسنواتٍ من الحب والانتظار. كانت تقول في نفسها: لقد شيّدت من المحبة جنّةً كجنّة عاد، لكن أبي أغلق أبوابها بيده، وسقاني الحنظل بدل شهد الوصال. لم يترك لي طريقاً إلى مرادي، بل جعلني بين الخوف والطاعة، وهددني بالذبح إن أنا رفضت، حتى صار الرضا مستحيلاً والجبر واقعاً لا مهرب منه. وكانت تتساءل بحرقةٍ: أين ذاك الذي أحببته منذ سنين وأحبني؟ وما ذنبنا حتى يُنتزع أحدنا من الآخر ليُلقى في حياةٍ لم يخترها؟ ولما أُعلنت الموافقة، لم تكن موافقة قلبٍ مطمئنٍ، بل استسلام إنسانٍ أُغلق في وجهه كل بابٍ. مرّ يومان عليها كأنهما عامان، لم يذق جفنها النوم، وكانت كل ساعةٍ تقرّبها من اللحظة التي تخشاها. وحين خرجت مع أهلها إلى المحكمة لعقد النكاح، كانت خطواتها ثقيلةً كأنها تسير إلى قدرٍ تعرف أنه سيكسرها. وقفت قرب الرجل الذي اختاره أبوها، شاعرةً بأنها غريبةٌ عن المكان وعن نفسها، وتمنت لو أن الأرض انشقت فابتلعتها، أو أن الخاطب رقّ لحالها فتراجع. بل إنها قبل ذلك حاولت أن ترسل إليه رسالةً واضحةً تخبره بأنها لا ترغب بهذا الزواج، لكنها لم تجد أذناً تسمع ولا قلباً يرحم. وحين جاء دورها، سألها القاضي عن اسمها، وسألها إن كانت قد قبضت مهرها، وطلب منها أن تجيب بأمانةٍ. عندها ضجّ قلبها بكلماتٍ لم تستطع أن تنطق بها. كانت تريد أن تصرخ: أي مهرٍ هذا؟ إنه مهر الشؤم لا مهر الفرح. أنا مظلومة، وأبي هو من ظلمني. هذا المال ليس هدية عرسٍ، بل عزاءً على عمرٍ يُنتزع مني. لو تعلم ما جرى لي لعرفت أن خلف هذه الكلمات دموعاً وصفعاتٍ وآلاماً لا تُحصى. لقد ضربني مراتٍ عديدةً، وأذاقني من الإهانة ما جعلني أتمنى لو أنني لم أولد أصلاً. لكن شيئاً من ذلك لم يخرج من شفتيها. رفعت رأسها بصعوبةٍ، وقالت كلمةً واحدةً:(موافقة). خرجت الكلمة واهنةً متعبةً، تحمل من الحزن أكثر مما تحمل من الرضا. وكان أبوها واقفاً عند الباب يراقب جوابها بعينٍ صارمةٍ، بينما ابتسم القاضي ظاناً أنه أمام عروسٍ سعيدةٍ، ولم يكن يعلم أن تلك الموافقة كانت أشبه باستغاثةٍ مخنوقةٍ. ثم تم الزواج. وفي أول أيامه، جلست مع الرجل الذي صار زوجها، وقالت له بصراحةٍ لم تملك غيرها: لا تلمسني، فأنا لا أحبك. لن يكون بيننا بيتٌ سعيدٌ ولا عائلةٌ سعيدةٌ، لأن القلوب لا تُؤمر كما تُؤمر الأجساد. لكنها فوجئت بأنه أقسم ألا يتركها لغيره، وكأن امتلاكها كان عنده أهم من سعادتها. وهكذا بدأت رحلة الشقاء. كانت ترى أن النار التي أشعلها أبوها في قلبها لم تنطفئ، وأن الله لم يكتب لها من يطفئ لهيبها. عاشت أيامها بين الذل والضرب والإهانة، حتى استسلمت لفكرة أن الشقاء صار قدراً. وكلما مرّ يومٌ ازداد يقينها بأن ما حدث لها لم يكن زواجاً بقدر ما كان عقوبةً نُفذت باسم الطاعة والعرف. ومع تراكم الألم، تحولت مرارتها إلى غضبٍ عارمٍ. راحت تُقسم أن الجبر الذي فُرض عليها هو الذي دفعها إلى التفكير في السير في الطرق المحرمة، لا حباً فيها، بل انتقاماً من الظلم الذي وقع عليها. كانت ترى أن أباها هو من فتح أبواب النار عليها في الدنيا قبل الآخرة، لأنه انتزع منها حقها في الاختيار، وأجبرها على حياةٍ لم تردها. ولم يبق في قلبها لأبيها شيءٌ من الحنان الذي يجمع البنات بآبائهن. كانت تقول إنها لن تذرف عليه دمعةً إذا مات، لا لأنها قاسية القلب، بل لأنها تذكر كل صباحٍ أبكاها فيه، وكل ليلةٍ نامت فيها ودموعها على خدها. كانت ترى أن من زرع الدموع لا يحق له أن ينتظر الحزن عليه. وهكذا رسم أبونجاح في هذه الأغنية صورةً مؤلمةً لفتاةٍ سُحقت بين الحب والجبر، وبين القلب والسلطة الأبوية، حتى تحولت حياتها من حلمٍ بالوصال إلى سلسلةٍ من الخيبات. ولم تكن تلك الحكاية من نسج الخيال أو المبالغة الشعرية، بل قصةً واقعيةً حملت وجع كثيراتٍ وجدن أنفسهن أسرى قراراتٍ لم يشاركن في صنعها، فبقي صوتهن حبيس الصدور، بينما تولّت الأغنية رواية ما عجزن عن قوله. ✍️ براء الغضيب