@rachid.mahni: · افهم الرقية على حقيقتها من أعظم ما يحفظ على المبتلى قلبه وعقله أن يفهم الرقية الشرعية كما جاءت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا كما صورتها المبالغات، ولا كما رسمتها قصص التهويل، ولا كما زينتها الأوهام في أذهان بعض الناس. فالرقية في حقيقتها ليست عالمًا غامضًا يكتنفه الخوف، ولا أبوابًا من الأسرار الخفية التي لا يعرفها إلا أفراد مخصوصون، وليست معارك يومية مع المجهول يعيش الإنسان في انتظارها وترقبها. وإنما هي عبودية عظيمة تقوم على التوحيد، ولجوء صادق إلى الله، واستشفاء بكلامه، واعتصام بذكره، وافتقار إليه سبحانه. ولهذا جاءت النصوص الشرعية تصف الرقية بأبسط الصور وأوضحها، حتى يبقى القلب متعلقًا بالله لا بالمظاهر والانفعالات. فعن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: «كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ تَكُنْ شِرْكًا». رواه صحيح مسلم، كتاب السلام، حديث رقم (2200). فتأمل كيف جعل النبي صلى الله عليه وسلم الضابط الأعظم للرقية سلامتها من الشرك، ولم يجعلها بابًا للأسرار والخفايا والتهويل، بل أبقاها في إطارها الشرعي الواضح القائم على التوحيد والاتباع. وثبت عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث». رواه صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، حديث رقم (5016)، ورواه صحيح مسلم، كتاب السلام، حديث رقم (2192). وفي رواية أخرى عنها رضي الله عنها: «كان إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ثم نفث فيهما، فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده». رواه صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، حديث رقم (5017). فهذا هو الهدي النبوي الذي امتلأ طمأنينة وسكينة وبساطة؛ قراءة، ودعاء، ونفث، ويقين بالله، دون استعراضات، ولا تخويف، ولا صناعة رهبة في النفوس. ولهذا كان السلف الصالح يفهمون الرقية على أنها باب من أبواب التوكل والعبودية، لا بابًا من أبواب الانشغال بالمجهول. قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية رحمه الله: «والرقى من أعظم الأسباب في دفع البلاء إذا كانت مشروعة، لكن الشفاء إنما يحصل بقدرة الله ومشيئته». مجموع الفتاوى (19/35). وقال محمد بن أبي بكر ابن القيم رحمه الله: «الرقية سلاح، والسلاح بضاربه لا بحده فقط». زاد المعاد (4/126). أي أن نفع الرقية متعلق بصدق التوحيد والتوكل والإقبال على الله، لا بمجرد الألفاظ أو المظاهر. ومن هنا يقع الخطأ حين تتحول الرقية عند بعض الناس من سبب شرعي إلى محور تدور حوله الحياة كلها، فيصبح الإنسان يراقب أعراضه صباحًا ومساءً، ويفتش عن العلامات بعد كل قراءة، ويقيس مستوى الخوف بعد كل ذكر، وينتظر التفاعل بعد كل رقية، حتى يغدو أسيرًا للمراقبة الدائمة والترقب المستمر. وحينئذٍ لا يعود منشغلًا بالله بقدر انشغاله بالأعراض، ولا بالعبادة بقدر انشغاله بردود الأفعال، ولا بالتوكل بقدر انشغاله بالتفتيش والانتظار. وقد حذر الله سبحانه من الانشغال بما لا ينفع، وأرشد إلى ما يثبت القلب ويجمعه على ربه، فقال:.﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: 123]. فجمع بين العبادة والتوكل؛ لأن العبد إذا أقبل على الله عبادةً، واعتمد عليه توكلًا، استراح من استنزاف المراقبة والترقب، وعلم أن الأسباب تؤخذ، لكن القلوب لا تتعلق إلا برب الأسباب. ولهذا فإن الفهم الصحيح للرقية لا يجعل الإنسان أسيرًا للجن والسحر والعين في كل لحظة، بل يجعله عبدًا لله، يقرأ القرآن، ويذكر ربه، ويأخذ بالأسباب المشروعة، ثم يمضي في حياته مطمئنًا، عالمًا أن الشفاء بيد الله، وأن الرقية سبب من الأسباب، لا حياة كاملة تدور حولها الأفكار والمخاوف. فكلما ازداد العبد فهمًا لحقيقة الرقية ازداد تعلقًا بالله، وكلما ازداد تعلقًا بالله خف سلطان الخوف عليه، وعرف أن أعظم ما في الرقية ليس ما يراه من تفاعلات وأعراض، وإنما ما تغرسه في القلب من توحيد، ويقين، وحسن ظن بالله رب العالمين.