نافذة الزمن
لو انفتحت لنا شقّةٌ في جدار الزمن، نطلّمنها على ما مضى كما كان، لا كما أعادت صياغته الذاكرة، لارتبكنا أمام الحقيقة العارية: أن الأيام التي نغلفها اليوم بوشاح الجمال لم تكن خفيفة كما نتوهم، بل كانت مثقلةً بما لا يُرى من تعبٍ خافت، وخيباتٍ صامتة، وقلقٍ يتخفّى خلف ضحكاتٍ عابرة، تمامًا كما كانت تحمل في طيّاتها ومضات الفرح ودفء اللحظات العابرة.
إن كثيرًا ممن يرفعون الماضي إلى مرتبة القداسة لا يحنّون إلى الزمن ذاته، بل إلى أنفسهم التي كانت تسكنه؛ إلى أعمارٍ انسلّت كالماء بين الأصابع، وإلى وجوهٍ تلاشت في ضباب الغياب، وإلى قلوبٍ كانت أخفّمن أن يثقلها ما أثقلها اليوم. فالذاكرة ليست مرآةً صادقة، بل كائنٌ انتقائيّ، يلتقط من الحياة بريقها ويترك ظلّها يتلاشى في العتمة، فيغدو الألم فيها هامشًا باهتًا، وتغدو اللحظات المضيئة هي المتن كلّه.
لذلك، لا تدع الحنين يتحوّل إلى قيدٍ يسرق منك بهاء اللحظة الحاضرة؛ فكل زمنٍ يخبئ جماله الخاص، وإن بدا مستترًا خلف غبار العيش اليومي، وكل مرحلةٍ تحمل بذور شوقها المستقبلي، الذي لن يتكشف إلا حين تصبح بدورها ماضيًا يُستعاد بالوجدان لا بالعين.
ولو قُدّر لنا أن نطلّعلى الماضي كما كان، بلا رتوش الذاكرة ولا رحمة النسيان، لربما أطبقنا النافذة سريعًا، واكتشفنا أن النجاة الحقيقية ليست في العودة، بل في الامتنان للمضيّقدمًا، حيث لا يعود الزمن، لكن تتجدد الحياة.بقلمي
2026-08-01 01:49:08
2
To see more videos from user @fiok30, please go to the Tikwm
homepage.