@ummassos: أجمع حقائبي بهدوءٍ لا يشبه استعداد المسافرين، بل يشبه امرأةً تحاول أن تخبئ ارتجافة قلبها خلف ابتسامةٍ متعبة. أمضي إلى طريقٍ جديد، لكن شيئًا مني يظل واقفًا عندك، كأن روحي لم تتعلم بعد كيف تغادر الأماكن التي أحبتها بصدق. لم يكن الرحيل يومًا أكثر ما أخشاه، فقد اعتدت أن تأخذنا الحياة من محطةٍ إلى أخرى، وأن تبدّل وجوه الأيام كما تبدّل الفصول ألوانها. لكنني أخشى أن أستيقظ في مدينةٍ لا تعرف اسمك، وأن أمرّ بلحظة فرحٍ فلا أجدك أول من أود أن أحكي له عنها، وأن يطول الغياب حتى تصبح المسافات لغةً يومية بين قلبين كانا يكتفيان بالقرب. أرحل وأنا أحمل معي أشياء كثيرة لا تُوضع في الحقائب؛ أحمل ضحكاتٍ عالقة في الذاكرة، وكلماتٍ بسيطة ما زالت تمنحني الدفء كلما تذكرتها، وأحمل تلك الطمأنينة التي كانت تزور قلبي كلما شعرت أنك بخير. ولأنني امرأةٌ تحب بعمق، فإن الوداع لا يمر عليّ ككلمةٍ عابرة. يمر كغيمةٍ ثقيلة، وكفراغٍ صغير يتركه شخصٌ واحد فيمتد حتى يملأ المكان كله. أبدو هادئة أمام الآخرين، لكن داخلي يعجّ بألف حديثٍ لم يُقل، وألف نظرةٍ مؤجلة، وألف أمنيةٍ بأن يتأخر موعد الرحيل قليلًا. سأمضي لأن الحياة تمضي بنا جميعًا، ولأن بعض الطرق لا تُسأل إن كنا نريدها أم لا. لكنني سأمضي وقلبي يلتفت إلى الوراء بين حينٍ وآخر، يطمئن عليك، ويبحث عن أثرٍ منك بين الزحام، ويهمس باسمك كلما اشتد عليه الحنين. وإن سألتني المسافات عمّا تركت خلفي، فسأقول: تركت شخصًا لم يكن مجرد عابرٍ في حياتي، بل كان وطنًا صغيرًا من الأمان، ومرفأً كانت تهدأ عنده كل عواصف قلبي. وإن سألتني عمّا أحمله معي، فسأقول: أحمل محبةً أكبر من أن تُقاس بالأيام أو الأميال، ووفاءً لا يعرف كيف يتخلى عمّن أحب. فإن كان قدري أن أكون مسافرةً اليوم، فسيبقى قلبي مقيمًا هناك، عند الذكريات التي جمعتنا، وعند الدعوات التي أرفعها لك في الغيب، وعند ذلك الشوق الجميل الذي يؤلمني بقدر ما يذكرني بأن ما بيننا كان حقيقيًا وعميقًا. وما بين مودّعةٍ تمضي، ومشتاقةٍ لا ترحل، أبقى أنا... امرأةً أخذت الطريق بعيدًا، لكن قلبها ما زال يجلس إلى جوارك، ينتظر لقاءً يجعل كل هذا الغياب مجرد صفحةٍ عابرة في حكاية محبةٍ لم تنتهِ بعد. ام السوس 🌸