@kzd_4: صديقي القلق، مساء الخير بعد خمسة وثلاثين عامًا. اليوم هو أول يوم في السادسة والثلاثين، ولا أعلم لماذا شعرت أن عليّ أن أبدأ بك، كأنك أنت من عبر معي هذا العمر لا أنا، أو كأنني كلما أردت أن أعدّ سنواتي وجدتك جالسًا بينها، في أولها ومنتصفها، في الأماكن التي كنت أظنني وحدي فيها، وفي المنعطفات التي لم أكن أعرف هل تجاوزتها بقوتي أم بخوفك. مرّ العمر معك كثيرًا، وفي كل مرة أراك فيها أكتشف أمرًا غريبًا، أنت تشيخ وأنا أصغر. كيف يحدث ذلك؟ كيف يصبح الخوف أقل قوة كلما كبرت؟ وكيف يصغر الإنسان من الداخل كلما عرف أن كثيرًا مما كان يحمله لم يكن مطلوبًا منه أن يحمله؟ أراك الآن، بعد كل هذه السنوات، أقل هيبة مما كنت، صوتك لم يعد كما كان، حضورك لم يعد يملأ الغرفة كلها، وصورتك التي كانت تمتد أمامي كظل طويل بدأت تنكمش شيئًا فشيئًا، كأن العمر لم يكن يأخذ مني فقط، بل كان يأخذ منك أيضًا. هل تعلم أني عرفت اسمك الحقيقي؟ رأيت ملامحك أخيرًا، تمعنت فيما كان خافيًا عني لسنوات طويلة، وكم كانت مفاجأة غريبة أن أعرفك، أن أراك بلا القناع الذي كنت تلبسه كلما جئتني باسم القلق. أنت الشك. كنت أحسبك قلقًا، وكنت كلما ضاق صدري قلت هذا قلقي، هذا صاحبي القديم، هذا الذي يعرف طريقي أكثر من غيره، لكني الآن أظنك كنت شيئًا آخر، كنت كل الاحتمالات التي كانت ممكنة، كل الطرق التي لم أمشها لكنها أتعبتني، كل النهايات التي لم تحدث لكنها أقامت في صدري طويلًا. كنت الشك حين يتنكر في هيئة حرص، وحين يلبس ثوب الحكمة، وحين يقول لي انتبه، احسبها جيدًا، لا تطمئن كثيرًا، لا تفرح مبكرًا، لا تسلّم أمرك بهذه البساطة. صديقي القلق، أوه، المعذرة، أقصد الشك. في البداية كنت مرتكزًا لقدرتي التي لا تنفك عني، أو هكذا خُيّل لي. كنت أظنني أستطيع أن أصنع من الجبال بيوتًا، ومن البيوت مساكن ينعم بها كل من أعرف ومن لا أعرف، كنت أظن أن الإنسان إذا انتبه كثيرًا نجا، وإذا خاف كثيرًا حفظ ما يحب، وإذا فكّر في كل احتمال استطاع أن يسبق الخسارة بخطوة. كنت رفيقي الذي يسامرني ليل نهار، لا تملّ ولا أتخلص منك، تدخل معي في الفكرة قبل أن تكتمل، وفي الحلم قبل أن يبدأ، وفي الطريق قبل أن أضع قدمي عليه. مررنا بمواقف لا تُنسى معًا، حتى أنني في لحظة من اللحظات ظننت أنك ذهبت بلا عودة. هل تذكر مرض والدي؟ كيف لم تفارقني حينها، كيف كنت تسبقني إلى كل احتمال، وتعيدني إلى كل خوف، وتفتح لي أبوابًا كثيرة لا أريد الدخول منها، كأنك كنت تريد أن تهيئني للفقد، لكنك في الحقيقة كنت تجعلني أفقده كل يوم قبل أن يرحل. ثم يوم رحيله، تجمدت. وهذا ما لم أفهمه وقتها. كنت أظن أنك أقوى شيء في داخلي، لكنك أمام الحقيقة سكتّ. حين جاء ما كنت تخيفني منه، لم تعد تعرف ماذا تقول، لم تعد قادرًا على صناعة احتمال جديد، كأن الواقع حين يقع يصبح أكبر منك، وكأن رحمة الله في لحظات الانكسار تأتي من مكان لا يعرفه القلق ولا يصل إليه الشك. بعدها بسنوات حاولت أن تعود، أعرف ذلك. عدت بأشكال كثيرة، مرة باسم الخوف على من أحب، ومرة باسم الحرص على ما بنيت، ومرة باسم العمر الذي يمضي، ومرة باسم الأحلام التي لا أعرف هل تأخرت أم أنها تأتي في وقتها الذي لا أعرفه. كنت تحاول أن تكون بذات القوة والصلابة، لكنني لم أعد كما كنت. لا أقول إنني انتصرت عليك، ولا أقول إنني لم أعد أخاف، هذه مبالغة لا تشبهني، لكني أقول إنني عرفت هذا العام أمرين مهمين، أمرين لازماني طويلًا حتى صرت أراك من خلالهما بحجمك الحقيقي. أولهما أني لا أملك شيئًا حتى أخشى فقدانه بهذا القدر. كل ما أحب، وكل ما أظن أنه لي، وكل ما أخاف عليه، لم يكن لي كما كنت أتوهم. الله سبحانه هو الذي أوجدني وأوجد ما أملك، وهو الذي ساق لي ما لم أكن أعرف كيف أصل إليه، وهو القادر على أن يبقيه ما شاء، وأن يأخذه متى شاء. فلماذا كنت أرتجف كأنني المالك الأخير لكل شيء؟ والأمر الآخر أن الله لا يطلب مني أن أضمن نهاية الطريق، ولا أن أحمل النتيجة على ظهري، ولا أن أكون أكثر قدرة مما خلقني عليه. كان يكفي أن يراني أعمل. أن يراني أحاول. أن يراني لا أتوقف. ثم هو الذي يشاء أن يمنحني المزيد، أو يأخذ مني ما يريد، أو يؤخر عني ما كنت أظنه تأخرًا وهو في علمه نجاة. لذلك يا صديقي القلق، لا أريد أن أطردك كما يطرد الإنسان عدوًا. فقد عرفت أنك كنت تحاول حمايتي بطريقتك، ولو أنك بالغت كثيرًا، وأخذت مني أشياء كثيرة، وأفسدت عليّ لحظات كان يمكن أن تمر بخفة أكبر. لكنني اليوم، في أول يوم من السادسة والثلاثين، أريد أن أعقد معك صلحًا مختلفًا. ابقَ إن كان لا بد من بقائك. تعال كإشارة. لكن لا تأخذني من الطمأنينة التي وصلت إليها بعد كل هذا العمر. كل عام وأنت بخير يا صديقي القديم. وكل عام وأنا أصغر منك، لا بالعمر، بل بالخفة التي أستعيدها منك، وبالأشياء التي أتركها لله بعدما ظننت طويلًا أنها لا تنجو إلا بي.
كل عام وانت بخير اخوي خالد، اكثر ما شدني هو استيعابك لفكره عدم امتلاكك لشيء في هذه الدنيا فحتى نفسك بترحل يوما ما وهذا اعتقد من اهم عوامل السلام الداخلي والرضا والقناعه فاذا عملت بها زانت لك الدنيا لا لانها ستعطيك اجمل اللحظات واطيب الاماني ولكن لانك ستقابلها بروح متقبله لفقدها وتركها فا لا تكون متمسك بها بشده فتؤلمك ولا مرخي يديك فا تفلت منك تعطيها الاتزان الذي يجعلك تستمتع بها حقا .
2026-06-25 11:52:55
206
the :
"كنت أظن أن الإنسان إذا انتبه كثيرًا نجا، وإذا خاف كثيرًا حفظ ما يحب، وإذا فكّر في كل احتمال استطاع أن يسبق الخسارة بخطوة." مفصل على حاله القلق تفصيلاً ، اشكرك خاطره عميقه
2026-06-25 17:56:57
72
Jamal_mo :
Perfect ✨
2026-06-27 06:28:06
1
maha_hh :
يالله كأنك تحكي عن الكمالية ، بعد ما فهمتها من دكتور عماد من كتاب (الجلاد تحت جلدي) فهمت صوت القلق والشك وصراعهم داخلي ، حبيت سردك وطول صحبتك مع القلق فهمتك انه كان صوت خائف وحريص عليك لكنه بالغ جدا لكن مجرد ادراك الصوت انت ترحم نفسك وترحم هذا الصوت الي خايف عليك ، شكرا يا خالد ما اتوقعت اني اقرأ بالتيك توك موضوع كذا طويل . أبدعت جدا جدا ولغتك رائعة وسردك خفيف لطيف وعمييييق جدا يفهمه كل من عانى طويلا مع هذا القلق .
2026-06-25 18:16:27
53
Omar :
"الله لا يطلب مني أن أضمن نهاية الطريق، ولا أن أحمل النتيجة على ظهري، كان يكفي أن يراني أعمل."
هذه الجملة وحدها تختصر معنى عظيمًا. كثيرًا ما نستنزف أنفسنا بالقلق على ما ليس بأيدينا، بينما المطلوب منا هو الأخذ بالأسباب والتوكل على الله. مقال لامس شيئًا حقيقيًا في نفسي
2026-06-26 22:06:03
20
ام راكان ✨ :
عادي ابكي؟ معقولة احد يجسد الي نحس فيه؟ وهل معقولة يومًا ما بنتخلص منه ويصير صديق قديم ؟
2026-06-25 13:57:35
69
LoLo :
لو فيه شيء بالحياة يشبهني،بيكون اللي كتبته. شكرًا لك
2026-06-25 08:06:13
64
🐈⬛ :
"وكأن رحمة الله في لحظات الانكسار تأتي من مكان لا يعرفه القلق ولا يصل إليه الشك "
2026-06-25 19:41:47
64
B.AQ :
كلام بليييغ ✨ خصوصا جزئية اننا ما نملك شي! خلاني افكر، فعلاً لو بس نستشعر "إنا لله، وإنا إليه راجعون" ، وليه نقولها وقت المصائب؟ تذكرنا ان الي كان موجود وفقدناه ماهو لنا بالأصل هو وحنا وكل شيء لله وكلنا إليه راجعون.
2026-06-25 13:46:28
35
sllslls2 :
القلق يضخّم المجهول، بينما الواقع غالبًا أبسط مما رسمته مخاوفنا. عامٌ مجيدٌ لك، وعامٌ يحمل لك من الطمأنينة أكثر مما تتوقع..
2026-06-25 09:17:27
30
user8881910833231 :
وااو . اول مره اكتب تعليق . لكن ما وصفته هو السلام الداخلي الي الكثير يبحث عنه في الماديات . اذا جعلتك ٣٦ هكذا فا انا اعتقد هو يوم ميلادك الجديد و اعتبر عمرك سنه فقط.
2026-06-25 10:38:18
26
Shaad :
كل سطر مبهر. بدون مبالغة كل سطر. ابدعت مره وصلتني المشاعر يمين بالله
احسبه بوست عادي وش ذا الفن وش توظيف الكلمات الرائع هذا و كيف الكتابه الرهيبه اللي لمستني ماشاءالله
2026-06-25 07:38:41
20
M :
لعل أعظم الأُنس في هذه الحياة وأصدق عزاءاتها، أن تتشابه تجاربنا الإنسانية؛ فتدرك أن أثقل ما حملته لم تكن تحمله وحدك، وأن أكثر ما ظننته خاصاً بك كان أوثق ما يصلك بسائر البشر.
2026-06-26 02:19:36
9
Thesheikha :
نتجرع الاحتمالات والنجاة هي التسليم.
2026-06-25 23:43:34
7
Hussien talal :
رائع يا خالد ، استمر ولا تبخل علينا ..
2026-06-25 19:13:54
5
E :
Happy birthday! Please don’t ever delete this
2026-06-26 11:23:06
1
Sarah 🇸🇦 :
بالله عليك انت كتبت هالكلام!!! ولا اقتبسته من رواية او من كتاب ! يا الله كيف لامس قلبي يا الله!!!!! ماشاءالله تبارك الله! انبهرت وانا من زماااان ما انبهر بشيء ! شكراً انك شاركت معنا هذا الابداع!
2026-06-26 09:21:25
7
. :
وصلت مرحله في نص القراءه شكرت القلق لانه خلاني اقراء مثل هذا الجمال في البلاغه و الوصف وشكرا لك
2026-06-25 08:58:06
25
Bee 🐝 :
يالله كيف بلاغة الوصف والكلام والشعور لشيء يلامسنا وبسيط ومفهوم شكراً شكراً على هالبوست الجميل
2026-06-25 08:23:34
18
Ammal :
بعد حروبٍ نفسية أنهكت القلب وأرهقت الروح، أيقنت أن السلام الداخلي هو أعظم انتصار، وأن السكينة التي يمنحها الله لعباده هي الدواء لكل جرح. لذلك نتوكل على الله حق التوكل، ونسأله حسن التدبير وجميل الأقدار
2026-06-25 13:02:05
8
W. :
الله يجعله عمر مبارك طيب وأكثر استقرار.. قرأت كثير عن القلق لكن وصفك هنا له بأنه الشك هو مايجعل تهميشه أمر سهل ومقدور عليه
2026-06-25 08:16:57
13
S✨. :
ماشاءالله تبارك الله كيف ربي أنطقك هذه الكلمات عميقة جدا لأبعد درجه كأنك توصف شعور الحروف وليس فقط الكلمات أيقظت في داخلي أشياء أظن أنني سأتغير بدرجتين من شخصيتي ربما تغير طفيف لكنني مؤقنه أنه تغير عظيم '' كيف للمشاعر أن تجعلنا مختلفين عن بعض المشاعر بكل الحالتين تغلبنا ولكن إما أن نروضها ونصبح مرتاحين نمضي العمر ونحن نفهم كل شعور ونعطيه حقه وإما تتغلب علينا لتصنع من البعض وحوش بإختصار قد تنجيك أو تُهلك ''
2026-06-25 17:50:21
5
M :
ياااااه قريت النص اكثر من مره وكل مره احس كأنك تكتب عني انا لامسني بطريقة ما اقدر اوصفها لدرجة أن عيوني دمعت وانا اقرأ حسيت أخيرًا ان فيه احد قدر يحط بكلمات الشيء اللي عشت معه سنوات طويله وما عرفت اوصفه
2026-06-25 15:56:14
8
To see more videos from user @kzd_4, please go to the Tikwm
homepage.