@almathal.ala3la: أيها العزيز، في زحمة أيامك المتشابهة، متى كانت آخر مرّةٍ جلست فيها مع نفسك لتفكّر؟ هناك عبادةٌ خفيّةٌ نسيناها، توقظ القلب الغافل، وتفتح أبواب المعرفة... وقد أوصى بها أميرُ المؤمنين عليه السلام في كلماتٍ قليلة لكن كفيلة بأن تغيّر حياتك. روى ثقة الإسلام الكليني بسنده عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أميرُ المؤمنين عليه السلام يقول: «نَبِّهْ بِالتَّفَكُّرِ قَلْبَكَ، وَجَافِ عَنِ اللَّيْلِ جَنْبَكَ، وَاتَّقِ اللَّهَ رَبَّكَ». (أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب التفكّر، ح١) لماذا قال «نبّه قلبك»؟ تأمّل رحمك الله في دقّة هذه الكلمة. إنّ القلوب قبل التفكّر غافلةٌ نائمة، والتنبيه هو الذي يُخرجها من هذه الغفلة و يوقظها من النوم. فقد تكون عينُك الظاهرة يقظةً واعية، وأنت تذهب وتجيء وتعمل، بينما عينُ الباطن والبصيرة في قلبك تغطّ في نومٍ ثقيل، وجانب الملكوت من نفسك في غفلةٍ من دون وعي! فهناك يقظتان و نومتان: يقظة الجسد، ويقظة القلب. وكم من إنسانٍ جسدُه يقظان طوال نهاره، وقلبه نائمٌ طوال عمره! أمير المؤمنين عليه السلام يناديك: أيقظ هذا القلب الغافل بالتفكّر. فما هو التفكّر؟ اعلم أنّ التفكّر هو إعمال الفكر، وهو ترتيب الأمور المعلومة للوصول إلى النتائج المجهولة. فأنت تنطلق ممّا تعرفه لتصل إلى ما كنت تجهله. وقد عُرّف بأنه: مصباحٌ يُستضاء به لتبصر بصيرتُك ما خفي عنها. التفكّر المقصود في هذا الحديث هو ذلك الذي يعود إلى إحياء القلوب، أي هو التفكر المرتبط بالمعارف الإلهية التي تنير بصيرة الإنسان وما فضيلته حتى أوصى به الإمام؟ اعلم أيها العزيز أنّ للتفكّر فضائل كثيرة! فالتفكّر هو مفتاح أبواب المعارف، وخزائن الكمالات والعلوم، وهو مقدّمةٌ لازمةٌ وحتميةٌ للسلوك الإنساني. وله في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة تعظيمٌ بليغ وتمجيدٌ كامل، حتى إنّ تاركه معيَّرٌ ومذموم. وقد ورد في الأحاديث الشريفة: «تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ»، وفي حديثٍ آخر: «تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ»، بل ورد ما هو أعظم من ذلك، حتى ساعةٌ من التفكّر خيرٌ من عبادة سنين طويلة! أرأيت؟ ساعةٌ واحدةٌ من تفكّرٍ صادق، قد تفوق في ميزان الله عباداتِ شهورٍ وسنوات! لأنّ هذه الساعة هي التي تُحيي قلبك، وتفتح بصيرتك، وتدفعك إلى العمل عن وعيٍ و معرفة، لا عن عادةٍ وغفلة. فيمَ تتفكّر؟ أولاً: تفكّر في الله تعالى وأسمائه و صفاته و كمالاته، وفي آثاره في حياتك والمظاهر الخارجية من حولك، فتنتقل من المخلوق إلى الخالق، ومن المعلول إلى العلّة. وهذا أعلى مراتب التفكّر وأشرفها. ثانياً: تفكّر في نفسك أنت. فإنّ من أعجب آيات الله هذه النفس التي بين جنبيك! تأمّل في خلقك، في حواسّك، في عقلك الذي يزداد قوّةً ونضجاً كلما ضعف جسدك وشاخ، وهذا وحده دليلٌ على أنّ روحك ليست جسماً يفنى، بل حقيقةٌ باقية. وكما ورد في القرآن: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ — تعجّبٌ من غفلة الإنسان عن نفسه وخالقه. فابدأ الليلة... يا رفيق الدرب، لا تجعل عمرك يمضي كلّه في يقظةٍ ظاهرةٍ وقلبٍ نائم. خصّص لنفسك كل يومٍ ساعةً -أو حتى دقائق في البداية- تجلس فيها وحدك، بعيداً عن ضجيج الدنيا، و تسأل نفسك: من أين جئت؟ وإلى أين أسير؟ ولماذا خُلقت؟ وما الذي أعددته ليوم لقاء ربّي؟ ولاحظ كيف ربط الإمام عليه السلام بين الأمور الثلاثة: نبّه قلبك بالتفكّر، ثم جافِ جنبك عن الفراش لتقوم بين يدي الله في جوف الليل، ثم اتّقِ الله ربّك. فالتفكّر يوقظ، واليقظة تدفع إلى العمل، والعمل يثمر التقوى. هذا هو طريق التكامل بترتيبه الصحيح. فأيقظ قلبك الليلة... فإنّ ساعةً من تفكّرٍ صادقٍ قد تكون بدايةَ طريقك إلى الله. اللهم نبّه قلوبنا من غفلتها، وافتح بصائرنا لمعرفتك، وارزقنا ساعاتِ تفكّرٍ تُحيي بها قلوبنا، وتقرّبنا إليك، بمحمد و آله الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين.