@lion0631: إذا كانت هناك مقدمة تستحق أن تُكتب عنها الكتب، فهي بلا شك مقدمة "قارئة الفنجان". منذ اللحظة الأولى، تشعر وكأنك تقف أمام ستار مسرح ضخم على وشك أن يُرفع، بينما تتسلل إليك الموسيقى بهدوء، ثم تتصاعد شيئًا فشيئًا لتأخذك إلى عالم مليء بالغموض والدهشة، قبل أن يطل صوت العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ ليبدأ واحدة من أعظم القصائد الغنائية في تاريخ الموسيقى العربية هذه التحفة الخالدة كتب كلماتها الشاعر الكبير نزار قباني، ولحنها العبقري محمد الموجي، الذي لم يقدم مجرد لحن، بل رسم لوحة موسيقية متكاملة، جعل فيها كل آلة موسيقية بطلاً له دور لا يقل أهمية عن صوت المطرب نفسه ولم يكن هذا الإبداع ليخرج بهذه الصورة لولا الأداء المذهل لـ الفرقة الماسية بقيادة الموسيقار أحمد فؤاد حسن، تلك الفرقة التي كانت عنوانًا للفخامة الموسيقية في العصر الذهبي. كانت كل نغمة تُعزف بدقة، وكل انتقال موسيقي محسوب بعناية، حتى أصبحت المقدمة وحدها قطعة موسيقية قائمة بذاتها وعندما نستمع جيدًا، نسمع حوارًا رائعًا بين الآلات... نغمات الكمان التي تنقل الإحساس بالحزن والانتظار، ولمسات التشيللو العميقة التي تضيف هيبة ووقارًا، وإيقاعات الإيقاع الهادئة التي تزيد من حالة الترقب، بينما تتداخل أنفاس الناي لتمنح المستمع شعورًا بالحنين وكأنها تروي حكاية قديمة لا تنتهي وكان من بين نجوم الفرقة الماسية أسماء تركت بصمة لا تُنسى، مثل عمر خورشيد الذي أضاف بجيتاره لمسة ساحرة في العديد من حفلات عبد الحليم، وعازف الأورج هاني مهنا الذي شارك في عدد من أعماله، إلى جانب نخبة من أمهر عازفي الكمان والتشيللو والإيقاع الذين صنعوا ذلك الصوت الأوركسترالي الفريد الذي لا يزال يبهر الأجيال حتى اليوم ولهذا، عندما تبدأ مقدمة "قارئة الفنجان"، لا تتعجل وصول الكلمات... استمتع بكل ثانية من الموسيقى، لأنها ليست مجرد افتتاحية، بل فصل كامل من الحكاية. إنها موسيقى تتحدث، وتبكي، وتتنبأ، قبل أن يقول عبد الحليم جملته الأولى لهذا السبب، وبعد مرور عشرات السنين، ما زالت مقدمة "قارئة الفنجان" تُصنف بين أعظم المقدمات الموسيقية في تاريخ الغناء العربي، وتظل شاهدًا على زمنٍ كانت فيه الموسيقى تُصنع بإحساس، ويُكتب لها الخلود