@mohanad19910: عام على الإبادة.. حتى لا تنام الذاكرة "فيقوا يا بني معروف.. فيقوا نزف الشهداء".. صرخة حفرت مكانها في الذاكرة الجمعية لأهالي السويداء، منذ أن استفاقوا على مشاهد المجازر والإبادة التي ارتكبتها قوات السلطة المؤقتة خلال اجتياح تموز من العام الماضي. صرخة ما زالت تتردد في البيوت والساحات، وفي ذاكرة كل من فقد قريباً أو صديقاً أو جاراً، وكل من شهد تلك الأيام التي غيّرت وجه السويداء إلى الأبد. مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لبدء المجازر، تتسارع التحضيرات لإحياء هذه المناسبة، التي تستحق أن تبقى حاضرة في الوعي العام. فمن المقرر أن تنظم جاليات أبناء السويداء في عدد من دول العالم، بينها كندا وألمانيا وهولندا وأستراليا، سلسلة فعاليات تمتد بين الثاني عشر والعشرين من تموز، تشمل وقفات صمت، ومعارض صور، وأنشطة توثيقية تستحضر أسماء الضحايا وشهادات الناجين، وتؤكد أن العدالة تبدأ بحفظ الحقيقة. في السويداء، لا تحتاج الذكرى إلى دعوات كثيرة كي تحضر. فهي لم تغادر أصلًا. يكفي أن تفتح صفحات أبناء السويداء على مواقع التواصل الاجتماعي لتجد صور الراحلين تعود من جديد، وأسماءهم تتردد، وحكاياتهم تُروى، وكأن الجميع يرفض أن يسمح للنسيان بأن ينتصر. هنا أم تكتب لابنها، وهناك أخ يستعيد صورة أخيه، وفي مكان آخر يروي ناجٍ شهادة جديدة، لأن الحقيقة لا تزال تبحث عمن يحفظها. فالسويداء، رغم مرور عام، لم تخرج بعد من حدادها، فما زالت آثار الجريمة حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، وفي البيوت التي فقدت أبناءها، وفي العائلات التي ما زالت تنتظر إنصافًا وعدالة لم يتحققا. لذلك، فإن إحياء الذكرى لا يقتصر على استعادة الألم، بل هو فعل مقاومة للنسيان، ورسالة تؤكد أن الجرائم الكبرى لا تسقط بالتقادم، ولا يجوز أن تتحول إلى مجرد خبر في أرشيف الأحداث. لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الأمم التي تحفظ ذاكرتها هي الأقدر على حماية مستقبلها. فالمجازر والإبادات لا تُخلّد حباً بالمأساة، تُلّد كي لا تتكرر، وكي تبقى الحقيقة عصية على التشويه والإنكار. ومن هنا، فإن ترسيخ ذكرى مجازر تموز في السويداء كمناسبة سنوية ثابتة، يحييها أبناء السويداء في الداخل والمهجر، مسؤولية تاريخية وأخلاقية تجاه الضحايا والأجيال القادمة. الذاكرة ليست رفاهية، هي إحدى أدوات العدالة، وكل صورة تُنشر، وكل اسم يُذكر، وكل شهادة تُوثق، هي خطوة إضافية في مواجهة محاولات طمس الحقيقة أو إعادة كتابة التاريخ. الذكرى الأولى ليست نهاية الحداد، إنها بداية لترسيخ تقليد دائم، يحمل رسالة واضحة: أن دماء الضحايا ليست رقماً في سجل، وأن الإبادة التي عاشتها السويداء لن تُنسى، ولن تُختزل بمرور الزمن. فكما تحافظ شعوب العالم على ذاكرة مآسيها الكبرى، وتحوّلها إلى مناسبات راسخة في وجدانها، فإن من حق أهالي السويداء، ومن واجبهم أيضاً، أن يحفظوا ذاكرة شهدائهم، وأن يجعلوا من كل تموز موعداً سنوياً لتجديد العهد بالحقيقة والكرامة والعدالة، حتى لا يتكرر ما حدث، وحتى تبقى الذاكرة يقظة، لأن الشعوب التي تنسى مآسيها تترك الباب مفتوحاً أمام تكرارها.