@.tttittt: أن مأساة باروخ سبينوزا ليست أنه حورب من خصومه فحسب، بل في أنه خسر حتى أولئك الذين كانوا يومًا جزءًا من عالمه. حين كان في الثالثة والعشرين من عمره، أصدرت الطائفة اليهودية في أمستردام قرارًا بطرده ولعنه، في واحدة من أقسى قرارات الحرمان الديني في تاريخها. لم يُمنع الناس من مناقشته فقط، بل مُنعوا من السلام عليه، أو الاقتراب منه، أو قراءة ما يكتبه، وكأن وجوده نفسه أصبح شيئًا يجب تجنبه. لم يكن ذلك عقابًا لجريمة ارتكبها، بل لعقلٍ تجرأ على أن يسأل. تحوّل الرجل الذي لم يؤذِ أحدًا إلى منبوذ، لا لأن يديه تلطختا بالأذى، بل لأن أفكاره بدت أخطر من أن تُترك حرة. كان يعيش بين الناس، لكنهم تصرفوا وكأنه لم يعد واحدًا منهم، وكأن الصمت المفروض عليه جزء من الحكم الصادر بحقه. وأشد ما في الظلم أنه لا يكتفي بحرمان الإنسان من حقوقه، بل يحاول انتزاع إنسانيته. لقد أُريد لسبينوزا أن يشعر بأنه وحيد، وأن يدرك في كل يوم أن الأبواب التي كانت تُفتح له قد أُغلقت، وأن الوجوه التي كانت تبتسم له أصبحت تدير نظرها عنه. لقد عوقب بالعزلة، وهي عقوبة لا تترك أثرًا على الجسد بقدر ما تتركه في الروح. لكن الزمن كشف مفارقة ؛ فإن الذين ظنوا أنهم أطفؤوا صوته، لم يبقَ من أسمائهم إلا ما ارتبط بظلمه، بينما بقي اسم سبينوزا حاضرًا في تاريخ الفلسفة. إن الحقيقة قد تُنفى سنوات طويلة، لكنها لا تموت. . . . #سبينوزا #سيناء_هادي #fyp #explore #tiktok