@mouradabdo27: يستغرب البعض مشهد الترحيب الذي أبداه عدد كبير من أبناء طرابلس بزيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، لكن من يعرف تاريخ هذه المدينة يدرك أن الأمر يتجاوز بروتوكول الزيارات إلى رمزية المرحلة والتحول الذي تشهده سوريا والمنطقة. فطرابلس كانت من أكثر المدن اللبنانية التي دفعت ثمن سياسات النظام السوري السابق. فمنذ مطلع الثمانينيات، شهدت المدينة حملات عسكرية وأحداثاً دامية خلال عامي 1983 و1986، كان أبرزها مجزرة التبانة عام 1986 التي سقط فيها مئات الضحايا، وما زالت جراحها حاضرة في ذاكرة الطرابلسيين. ولم تنتهِ معاناة المدينة مع خروج الجيش السوري البعثي من لبنان عام 2005، إذ استمر نفوذ النظام وأذرعه الأمنية والسياسية لسنوات، وبقيت طرابلس ساحةً لتصفية الحسابات والصراعات، قبل أن تعيش جولات الاقتتال بين باب التبانة وجبل محسن، ثم جريمة تفجيري مسجدي التقوى والسلام في آب 2013، التي أودت بحياة العشرات وجرحت المئات، لتضيف جرحاً جديداً إلى سجل المدينة المثقل بالآلام. لقد دفعت طرابلس أثماناً باهظة دفاعاً عن هويتها الوطنية والعربية، وعن سيادة لبنان واستقلال قراره، وقدمت من أبنائها الشهداء والجرحى والمعتقلين والمظلومين، ولذلك فإن ذاكرتها ليست ذاكرة عابرة، بل ذاكرة شعبٍ لم ينسَ ما عاشه من قهرٍ وظلمٍ ووصاية. ومن هنا، فإن استقبال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لا يُقرأ بوصفه استقبالاً لمسؤول يمثل حقبة الوصاية والاستبداد، بل بوصفه استقبالاً لمسؤول في مرحلة سورية جديدة يعلّق عليها كثيرون آمالاً في بناء علاقة بين لبنان وسوريا تقوم على الاحترام المتبادل، وحسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام سيادة كل دولة واستقلال قرارها. إن أبناء طرابلس لا يحتفلون بزيارة شخص، بل يعتبر كثير منهم أن هذه الزيارة ترمز إلى نهاية حقبة سوداء طبعت تاريخ لبنان وسوريا لعقود، وإلى سقوط المشروع الذي صادر قرار البلدين، وأغرقهما في الدم والانقسام والخوف. إن دماء شهداء طرابلس ليست ورقة سياسية، بل أمانة في أعناق الأجيال. والوفاء لهم يقتضي التمسك بالحقيقة، ورفض العودة إلى زمن الوصاية والاستبداد، والعمل من أجل مستقبل تُبنى فيه العلاقات اللبنانية السورية على أساس السيادة والندية والاحترام المتبادل، بما يحفظ كرامة الشعبين ويمنع تكرار مآسي الماضي. المجد للشهداء، والحرية للشعوب، والسيادة للبنان، والاستقرار لسوريا الجديدة،