@user8726813500354: تعدد الأمراض المزمنة يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه الممارسة الطبية الحديثة خاصة مع ازدياد متوسط العمر وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض غير المعدية فلم يعد من المعتاد أن يعاني المريض من مرض مزمن واحد بل أصبح من الشائع أن يجتمع ارتفاع ضغط الدم مع داء السكري وارتفاع دهون الدم وأمراض القلب وقصور وظائف الكلى وخشونة المفاصل وأمراض الجهاز التنفسي واضطرابات الغدة الدرقية وغيرها من الحالات التي تتطلب علاجا مستمرا ومتابعة دقيقة ويزداد هذا الأمر بين كبار السن نتيجة التغيرات الفسيولوجية التي تصاحب التقدم في العمر وانخفاض كفاءة كثير من أجهزة الجسم مما يجعل التعامل مع المريض أكثر تعقيدا ويستلزم رؤية شاملة تراعي جميع الأمراض في وقت واحد بدلا من علاج كل مرض بصورة منفصلة لأن نجاح العلاج لا يعتمد فقط على السيطرة على كل مرض وإنما يعتمد أيضا على الحفاظ على التوازن بين الأمراض المختلفة وتقليل المضاعفات وتحسين جودة الحياة والمحافظة على استقلالية المريض لأطول فترة ممكنة ويؤدي تعدد الأمراض المزمنة إلى زيادة الحاجة لتناول أكثر من دواء في الوقت نفسه وهو ما يعرف بتعدد الأدوية وهي حالة قد تكون ضرورية في كثير من الأحيان ولكنها تحتاج إلى متابعة دقيقة لأن زيادة عدد الأدوية ترتبط بارتفاع احتمالات التداخلات الدوائية والأعراض الجانبية وضعف الالتزام بالعلاج والأخطاء في مواعيد تناول الجرعات كما قد تؤدي إلى زيادة احتمالات دخول المستشفى إذا لم يتم تنظيمها بصورة صحيحة ولذلك فإن الهدف ليس تقليل عدد الأدوية بصورة عشوائية ولا زيادتها دون داع وإنما الوصول إلى أقل عدد ممكن من الأدوية التي تحقق أكبر فائدة علاجية بأعلى درجات الأمان ويبدأ تنظيم الأدوية بمراجعة التاريخ المرضي الكامل للمريض وحصر جميع الأدوية التي يتناولها سواء كانت موصوفة من الطبيب أو يتم شراؤها دون وصفة أو كانت فيتامينات أو مكملات غذائية أو مستحضرات عشبية لأن كثيرا من المرضى لا يعتبرون هذه المنتجات جزءا من العلاج رغم أنها قد تتفاعل مع الأدوية الأساسية وتؤثر في فعاليتها أو تزيد من آثارها الجانبية ولذلك يجب أن يكون الطبيب على علم بكل ما يتناوله المريض دون استثناء كما ينبغي مراجعة قائمة الأدوية بصورة دورية للتأكد من استمرار الحاجة إلى كل دواء وإيقاف الأدوية التي لم تعد ضرورية أو استبدالها ببدائل أكثر أمانا إذا لزم الأمر خاصة عند كبار السن الذين تتغير لديهم قدرة الجسم على امتصاص الأدوية وتمثيلها والتخلص منها نتيجة انخفاض وظائف الكبد والكلى والتغيرات التي تطرأ على تركيب الجسم مع التقدم في العمر ولذلك قد تصبح الجرعات المناسبة في مرحلة عمرية معينة غير مناسبة بعد عدة سنوات حتى مع ثبات المرض نفسه ومن الضروري أيضا مراعاة التداخل بين الأمراض المختلفة عند اختيار العلاج فقد تؤثر بعض المسكنات في مرضى ارتفاع ضغط الدم أو قصور الكلى وقد تحتاج بعض أدوية السكري إلى تعديل الجرعات عند انخفاض كفاءة الكلى كما أن بعض أدوية القلب قد تحتاج إلى متابعة دقيقة عند وجود أمراض أخرى مصاحبة ولذلك فإن العلاج الناجح يعتمد على تقييم الحالة الصحية بصورة متكاملة وليس على التعامل مع كل مرض بمعزل عن الآخر ويلعب المريض دورا أساسيا في نجاح الخطة العلاجية من خلال الالتزام بمواعيد الأدوية وعدم إيقاف أي دواء أو تعديل الجرعات من تلقاء نفسه حتى إذا شعر بتحسن لأن كثيرا من الأمراض المزمنة قد تظل مستقرة بفضل العلاج بينما يؤدي التوقف المفاجئ إلى تدهور الحالة وظهور مضاعفات خطيرة كما ينصح باستخدام وسائل تساعد على تنظيم الجرعات مثل علب تقسيم الأدوية أو التنبيهات الهاتفية مع الاحتفاظ بقائمة محدثة بأسماء الأدوية والجرعات وإظهارها عند زيارة أي طبيب أو عند دخول المستشفى لتجنب تكرار العلاج أو حدوث تداخلات غير مقصودة ويجب كذلك الانتباه إلى ظهور أعراض جديدة مثل الدوخة المتكررة أو السقوط أو اضطراب الوعي أو فقدان الشهية أو تورم القدمين أو اضطراب نبض القلب لأنها قد تكون مؤشرا على آثار جانبية أو تفاعلات دوائية وليست بالضرورة نتيجة تقدم العمر كما يعتقد البعض ويعد التواصل المستمر بين الطبيب والمريض وأسرته والصيدلي أحد أهم عناصر نجاح علاج الأمراض المزمنة لأن المتابعة الدورية تسمح بإعادة تقييم الخطة العلاجية وفقا للتغيرات التي تطرأ على الحالة الصحية والنتائج المعملية ونمط الحياة وهو ما يسهم في تقليل المضاعفات وتحسين جودة الحياة وخفض معدلات التنويم بالمستشفيات ويؤكد طب الشيخوخة الحديث أن العلاج الناجح لا يقاس بعدد الأدوية التي يتناولها المريض وإنما بمدى تحقيقها للفائدة المرجوة بأقل قدر ممكن من المخاطر وبما يتناسب مع الحالة الصحية والأهداف العلاجية لكل مريض على حدة فكل مريض له ظروفه الخاصة واحتياجاته المختلفة ولا توجد خطة علاجية واحدة تناسب الجميع .