@uj_y66: عندما تُقيَّد لغة الحرية وتُستبدل بلغة السلاح… حينها لا تموت الدولة أولًا، بل يموت الإنسان. زرتُ هذه الأرض التي كانت يومًا مهدًا للحضارات، فوجدتُ أن الخراب لم يبدأ من الأبنية، بل من النفوس التي ألفت الخراب حتى ظنته قدرًا. رأيتُ سلطةً لا سلطان لها، وسلاحًا يملك هيبةً أكثر من القانون، وشوارع تُلقى فيها القمامة كما تُلقى المسؤولية من كتف إلى كتف. وحين سألتُ: من فعل هذا؟ أشار الجميع إلى الجميع، ولم يُشر أحد إلى نفسه. يا للعجب… إن أكثر الشعوب بؤسًا ليست تلك التي تعيش تحت الطغيان، بل تلك التي تتصالح معه حتى يصبح جزءًا من شخصيتها. رأيتُ شعبًا يرفع الفاسد على الأكتاف وهو يهتف له بأنه المنقذ، ثم يعود بعد الانتخابات ليبكي من انقطاع الكهرباء، ورداءة الطرق، وضياع المستقبل. وكأن الألم عندهم ليس درسًا، بل طقسًا يتكرر كل بضع سنوات. إن الإنسان الذي يكرر اختياره ثم يلعن النتيجة، لا يحارب القدر… بل يحارب عقله. ثم رأيتُ أمرًا أشد غرابة. كل جماعة تصف الأخرى بالهمجية، وكل فرد يظن نفسه أكثر وعيًا من الجميع، بينما لا يرى أحد همجيته الخاصة. إن النرجسية هنا ليست حب النفس، بل عبادة الوهم؛ أن تؤمن أنك فوق النقد، وأن الحقيقة لا تُقال إلا إذا مدحتك. الشعوب القوية تخاف من أخطائها، أما الشعوب الضعيفة فتخاف ممن يذكرها بها. فتحتُ كتب التاريخ. وجدتُ انقلابات، وصراعات، ودماء، وولاءات تتبدل كما تتبدل الفصول، حتى بدا لي أن التاريخ لم يكن معلمًا، بل أصبح عادة. إن الأمة التي لا تتعلم من تاريخها، تجعل من الماضي مستقبلًا جديدًا. ثم رأيتُ رجالًا يحفظون خطبًا ومقولات تدعو إلى رفض الذل، ويتلونها بحماسة، بينما يعيشون الذل كل يوم ويعتادونه. ما قيمة الكلمات إذا كانت الأقدام تسير في الاتجاه المعاكس؟ إن حفظ الحكمة ليس فضيلة، الفضيلة أن تتحول الحكمة إلى فعل. ورأيتُ وطنًا لم يصبح عند كثير من أبنائه القيمة العليا، بل صار الولاء لغيره يُبرَّر باسم العقيدة أو الطائفة أو الهوية الضيقة. أنا لا أهاجم الإيمان، بل أهاجم كل فكرة تجعل الإنسان يتخلى عن مسؤوليته تجاه أرضه وعقله وحريته. حين يصبح الولاء خارج الوطن أقوى من الولاء للوطن، فإن الحدود لا تسقط على الخرائط أولًا، بل تسقط في القلوب. الوطن الذي لا يُقدَّم على المصالح الضيقة، لن يجد من يحمله عندما يسقط. وأخيرًا… لا تبحثوا عن مخلّص. فالمخلّص الذي تنتظرونه قد يكون أول من يبيعكم إذا منحتموه عقولكم. ابنوا إنسانًا يحترم القانون قبل أن يطالب بالحاكم الصالح. ازرعوا الشجاعة في مواجهة الذات قبل الشجاعة في مواجهة الآخرين. فالأمم لا تنهض لأنها تكره أعداءها، بل لأنها تملك الجرأة على الاعتراف بعيوبها. ومن لا يجرؤ على نقد نفسه… سيبقى يكتب تاريخ هزائمه، ثم يسأل بدهشة: لماذا لا يتغير شيء؟ #explore