@l.exk: وقف أبو العلاء المعري أمام الحياة كما يقف رجلٌ في صحراء لا يرى لها آخر نظر حوله، فلم يرَ إلا إنسانًا يولد باكيًا، ويكبر وهو يطارد ما لا يدركه، ويشيخ وهو يخاف مما ينتظره، ثم يختفي كما اختفى من قبله الملايين. سأل نفسه: متى اخترت أن آتي إلى هنا؟ فلم يجد جوابًا، لأن أحدًا لا يُسأل قبل أن يولد. ثم نطق بالبيت الذي حمل قرونًا من التأمل: هذا ما جناه أبي عليَّ وما جنيتُ على أحد. لم يكن يتهم والده، بل كان يرى أن أعظم قرار اتُّخذ في حياته، اتُّخذ من دونه. لقد وُجد في عالم لا يعرف الرحمة الدائمة؛ عالمٍ يمنح الإنسان قلبًا ثم يملؤه بالفقد، ويزرع فيه الأحلام ثم يذيقه انكسارها، ويجعله يحب ليتألم، ويأمل ليخيب، ويتمسك بالحياة وهو يعلم أن نهايتها الموت. كان يرى أن الإنسان منذ لحظة ولادته يبدأ العد التنازلي لنهايته، وأن كل ضحكة تحمل في داخلها وداعًا مؤجلًا، وكل لقاء يخفي فراقًا قادمًا، وكل بناء ينتظر يومًا ينهار فيه. لذلك لم يعتبر الوجود هدية، بل مسؤولية ثقيلة أُلقيت على كتفيه دون أن يطلبها. ولهذا قال: “هذا ما جناه أبي عليَّ.” أي أن أبي - وهو يظن أنه يمنحني الحياة - منحني معها الألم، والخوف، والمرض، والانتظار، والأسئلة التي لا تنتهي. لم يفعل ذلك كراهية، بل لأن البشر يورثون الحياة كما يورثون أسماءهم، دون أن يسألوا القادم إليها إن كان يريدها أصلًا. ثم جاء الشطر الثاني كأنه إغلاقٌ لبابٍ أراد أن يقف عنده كل هذا العناء: “وما جنيتُ على أحد.” أي أنني لم أُدخل روحًا أخرى إلى هذه الدوامة، ولم أحمّل إنسانًا عبء رحلةٍ لم يخترها. إذا كانت الحياة في نظري سجنًا واسعًا، فلن أكون أنا من يفتح بابه لسجينٍ جديد. ولهذا لم يخلّد التاريخ هذا البيت لأنه حزين، بل لأنه واجه أكثر سؤال يخشاه الإنسان: هل الوجود نعمة لا تُناقش، أم قدرٌ فُرض علينا قبل أن نملك حق الاختيار؟ ترك المعري هذا السؤال معلقًا بين السماء والأرض، ورحل… بينما بقي بيته يهزّ كل من يقرأه، لأن بعض الكلمات لا تصف الحزن، بل تجعل القارئ يشعر بثقل الوجود نفسه #هواجيس #fyp