@mohmmed.bashir.algaale: ليس كلُّ الراحلين يُعوَّضون، فبعض الرجال إذا غابوا شعر الناس أن قطعةً من الزمن الجميل قد انطفأت. رحم الله عمَّنا عبدالله بلال، ذلك الرجل الذي لم يكن يُقاس بما يملك، وإنما بما منح من مروءةٍ وكرمٍ ونبل. عاش قدر حاله، لكنه كان أجود من كثيرٍ من أهل السعة، يفتح بابه وقلبه لكل قاصد، ويرى إكرام الضيف واجبًا لا تفضُّلًا، ويعدُّ خدمة الناس شرفًا لا منَّة. كان ديوانه مقصدًا للناس، ومجلسه عامرًا بالشورى، فإذا اختلفوا قصدوه، وإذا استعصت عليهم الأمور وجدوا عنده كلمةً تُصلح، ورأيًا يجمع، وقلبًا لا يعرف إلا الصفح والإحسان. لم يكن يردُّ سائلًا، ولا يُخيِّب راجيًا، ولا يترك محتاجًا إلا بذل له ما يستطيع، بوجهٍ طلقٍ ونفسٍ راضية. وما أوجع أن نتذكره في شيخوخته؛ فقد أثقلته السنون، وضعف سمعه، وخفَّ بصره، لكن قلبه ظل شابًّا لا يعرف الفتور. ما إن تصافحه حتى يتمسك بيدك، وكأنه يخشى أن تفارقه قبل أن يطمئن عليك، ثم ينادي أحفاده قائلًا: "أكرموا الضيف وقوموا بالواجب." وبعدها يبدأ يتفقد الناس واحدًا واحدًا، يسأل عنهم بأسمائهم، وعن آبائهم وأبنائهم، وكأن هموم الناس كانت جزءًا من حياته. كان من طرازٍ نادر، لا تُصنع أمثاله كل يوم، ومن الرجال الذين يتركون أثرًا في القلوب قبل أن يتركوا أثرًا في المجالس. وكان، رحمه الله، صديقًا وفيًّا لوالدي، جمعتهما سنواتٌ طويلة من المحبة والوفاء والصدق، فرحمهما الله جميعًا، وجمعهما في جنات النعيم كما جمع بينهما في الدنيا على الخير. سلامٌ على وجهٍ بشوشٍ لم يعرف العبوس، وسلامٌ على يدٍ امتدت بالخير ما استطاعت، وسلامٌ على قلبٍ عاش للناس أكثر مما عاش لنفسه. نسأل الله أن يرحم عمَّنا عبدالله بلال رحمةً تليق بطيب سيرته، وأن يجعل كل معروفٍ صنعه، وكل ضيفٍ أكرمه، وكل مكسور خاطرٍ جبره، وكل إصلاحٍ سعى إليه، نورًا له في قبره، وثقلًا في ميزان حسناته. إنا لله وإنا إليه راجعون.