@ahmed.m.abdalhai: رسائل إلى الخرطوم - إلى الخرطوم التي لم نتعلم يومًا كيف نحب غيرها. "لم أكتب إليكِ لأنكِ مدينة، بل لأنكِ وطنٌ صغير يسكن وطنًا أكبر ولأن في كل شارعٍ منكِ ذكرى وفي كل ظلٍّ حكاية وفي كل نسمةٍ تمر من ضفاف النيل جزءًا من لحظاتٍ لا تتكرر." لقد مرّت عليكِ أيامٌ أثقل من الجبال، حتى خُيّل إلينا أن الحزن قد اختاركِ مسكنًا وأن الدخان قد نسي طريق العودة إلى السماء، لكننا كنا نعرف، في صميمِ قلوبنا، أن المدن التي تُبنى بالمحبة تبقى صامدة وإن أثقلتها الحروب. واليوم أراكِ تستيقظين على مهل كما تستيقظ الأم بعد ليلةٍ طويلةٍ من السهر؛ مُتعبة نعم، لكنها ما زالت تبتسم من أجل أطفالها وأراكِ تفتحين نوافذكِ للضوء وتستقبلين خطوات أبناءك العائدين كأنكِ لم تبكي أو تغضبي يومًا من غيابهم وكأن قلبكِ أوسع من كل هذا الفقد يسعهُم مُجددًا بذاتِ الحنان والمحبة. كما أراكِ تضحكين عندما عادوا الباعة إلى أرصفة الشوارع وعندما غمرت رائحة الخبز الشوارع عند الصباح الباكِر وعندما ازدحمت المقاهي بالأحاديث والضحكات بدل الصمت الذى سادَ طوبلًا، فالحياة لا تعود دفعةً واحدة، بل تعود رويدًا رويدًا حتى تكتمل العودة، لكن نحن لا نريد لكِ أن تعودي كما كنتِ فقط، بل نريدكِ أجمل مما كنتِ؛ مدينةً يتصافح فيها الناس بالقلوب والمحبة قبل الأيادي، وتُصان فيها الحقوق ويحترم فيها المواطن قبل المُنشأت ويكون القانون فيها عدلًا لا صلة أرحام ومعارف والعمل فيها شرفًا لا ذُل وهوان والإخلاص والصدق فيها لغةً يتحدث بها الجميع. لقد علمتنا الحرب أن الوطن ليس قطعةً من الأرض، بل قطعةٌ من الروح وأن خسارة المدن لا تبدأ حين تبدأ الحروب والدمار، بل حين تتساقط القيم من القلوب لذلك فإن عودتكِ الحقيقية لن تكتمل إلا حين يعود ابناءك إلى إنسانيتهم ويقدّمون مصلحة الوطن على مصالحهم ومكاسبهم الشخصية ويؤمنون أن بناء وطنٍ واحدٍ خيرٌ من تشييد ألف مجدٍ شخصي. أما أنا، يالخرطوم، أحبك كما يُحب العائدُ بيتَه الذى نشأ فيه؛ لا لأنه الأجمل، بل لأنه المكان الوحيد الذي يعرفه أكثر منه، أحبك بكل ما فيكِ من ندوب، لأنها لم تكُن يوم دليل ضعف وإنما شهادةٌ فخر وعز على أنكِ قاومتِ -الحروب والعنصرية - ولم تنكسري. لذلك، أُعاهدك بأنه سيأتي يومٌ تُنسج فيه من شوارعكِ قصائدُ الحـب والحياة بدل أخبار الحرب والدمار وتُزهر أرصفتكِ بالأشجار والورود بدل الركام وسيأتي ذلك اليوم لأن الله عز وجل لا يترك أرضًا أحبها أهلها ولا يخذل شعبًا قرر أن يجعل من الأمل عملًا لإعمار أرضه ومن المحبة مشروعًا كاملًا ومن الوطن قضيته المصيرية الأولى وأُعاهدك أيضًا أنكِ ستبقين دائمًا قلب السودان ونبضه الذي مهما أتعبته الأيام خفق حبًا لهذا الوطن، فاصبري قليلًا لأن الحياة إذا قررت أن تعود، عادت بكل ما فيها من نور.🤍