@633_f: شنو شعورك ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تمر بي الأيام كأنها دهر بلا نهاية، وأسأل نفسي في كل ليلة مظلمة: كيف يمكن لكونٍ بهذا الاتساع أن يضيق فجأة لدرجة أنني لا أجد فيه متسعاً لتنفس الصعداء؟ غيابك لم يكن مجرد عابرٍ في حياتي، بل كان انتزاعاً لروح المكان، وسرقةً لبهجة التفاصيل الصغيرة التي ما زالت تحتفظ بملامحك وصوتك. كل زاوية في هذا المكان تشهد عليَّ؛ تهمس باسمك حين أكون غارقاً في صمتي، وتذكرني كيف كنا نتقاسم الحلم والوجع بحجمٍ واحد. لا شيء يؤلم أكثر من العادة التي خلّفتها خلفك؛ عادة أن ألتفت لأخبرك بشيءٍ ما، فأصطدم بجدار الفراغ القاسي، وأدرك حينها كم أنا وحيدٌ في مواجهة هذا العالم. الناس تظن أن الوقت كفيلٌ بمداواة الجروح، لكنهم لا يعلمون أن غيابك ليس جرحاً عابراً، بل هو بترٌ دائم في جذور الروح. الأيام تمر، والوجع يتخذ أشكالاً جديدة، أحياناً يكون على شكل حنينٍ جارح، وأحياناً على شكل صمتٍ مطبق يخنق الحنجرة ولا يسمح حتى بالبكاء. كنت الحصن الذي ألوذ إليه حين تثقلني الحياة، واليوم أنا في العراء، بلا درعٍ ولا سند، أصارعرياح الشوق العاتية وحدي. كم هو قاسي هذا الإحساس بالعجز، أن ترغب في قول الكثير، وتبحث عن عابر يشبهك فلا تجد، وتكتفي بأن تبتلع غصات الحنين بصمت مرير تركتني في منتصف الطريق، حيث لا رجعة ممكنة ولا نسيان متاح سلام على عينيك اللتين افتقدهما جاقاً، وعلى صوتك الذي غادر ذاكرة الأماكن، وسلام على قلبي الذي أنهكه الحنين وما زال، رغم مرارة البعد، ينبض باسمك في كل ثانية.تتسلل الذكريات أحياناً كنسيم هادئ ومحمل بعطور الماضي، لكنها غالباً ما تنهض في دواخلنا كعاصفة هوجاء تعيد ترتيب ركام الروح. إن ألم الذكريات ليس مجرد شعور عابر بالاشتياق، بل هو حالة وجدانية معقدة تتغذى على التناقض الأبدي بين قسوة الحاضر ودفء ما مضى. حين نتذكر، فإننا لا نستحضر الصور والمواقف فحسب، بل نعيد إحياء الأرواح التي سكنتنا والأماكن التي احتضنت تفاصيلنا، وكأننا نفتح أبواباً لمقابر جميلة لطالما احتفظت بأعز ما نملك. أشد ما يؤلم في الذكريات هو قدرتها العجيبة على التشبث بأتفه التفاصيل وأبسطها؛ رائحة عطر قديمة في زحمة الشارع، أغنية عابرة كانت تمثل لنا عمراً بأكمله، أو حتى نبرة صوت استقر صداها في زوايا الذاكرة ولا تريد أن ترحل. هذه التفاصيل البسيطة هي الخناجر الباردة التي تطعن القلب في غفلة منه، لتذكره بأن ما كان جميلاً قد صار أثراً، وبأن الأيام التي حسبناها خالدة لم تكن سوى محطات قصيرة في رحلة الفقد الطويلة. الذكريات ليست مجرد نوافذ نطل بها على الماضي، بل هي أحياناً زنزانات ضيقة نحبس فيها أنفسنا عندما يعجز الحاضر عن منحنا الأمان. يعيش الإنسان المحمل بالذكريات صراعاً داخلياً لا ينتهي بين رغبة جارفة في العودة إلى الوراء وخوف عميق من قسوة الاصطدام بواقع لا مفر منه. الحنين بحد ذاته عاطفة نبيلة، لكنه يتحول إلى عبء ثقيل حين يقترن بإدراك قاطع أن الزمن لا يعود للوراء، وأن الدقائق التي تمر لا تُستعاد، والأشخاص الذين رحلوا قد تركوا خلفهم فراغاً لا يملؤه سوى صدى أصواتهم في عقولنا. هنا تولد المرارة؛ مرارة معرفة أننا نملك كنوزاً من الماضي لكننا عاجزون تماماً عن إنفاقها في الحاضر. حين ننظر إلى الذكريات، فإننا غالباً ما نقارن أنفسنا بمن كنا، وبكيف كانت الأحلام واسعة والخطوات أكثر ثباتاً ويقيناً. هذا التباين يولد ألماً صامتاً؛ فنحن نبكي على ذواتنا القديمة بقدر ما نبكي على الأشخاص والأيام. الذكريات تذكرنا بما فقدناه من براءة، وبحجم الندوب التي تركتها التجارب على أرواحنا، وبأن السعادة التي عشناها يوماً قد تحولت بفعل الفقد إلى ومضات حارقة تزيد ظلمة الحاضر قسوة ووحشة، وكأن الزمن يأخذ منا أجمل ما أعطانا إياه على سبيل الأمانة. إن النسيان ليس خياراً متاحاً دائماً، فحجم بعض الذكريات أكبر من أن تطمسه الأيام أو تمحوه تعاقب السنين. وعليه، فإن ألم الذكريات لا يُعالج بالهروب منها، بل بالتعلم كيف نحملها بخفة أكبر على عاتق الروح. وحين نتقبل أن الألم هو الوجه الآخر للحب، وأننا ما ألمنا الحنين إلا لأننا عشنا بصدق وعمق، يتحول هذا الثقل التدريجي إلى طاقة تأملية هادئة. تصبح الذكريات مع مرور الوقت متحفاً شخصياً نزوره كلما أهلكتنا غربة الواقع، نبكي فيه قليلاً، نستمد منه الدفء أحياناً، ثم نغلق بابه بهدوء لنكمل مسيرنا في الحياة.#باسم_الكربلائي #جليل_الكربلائي