@b.pq5: كان إنسانًا يعرف طريقه جيدًا، يركض خلف أحلامه وكأنها خُلقت له، لا يعرف معنى الاستسلام ولا يلتفت لكلام المحبطين. كان يحمل شغفًا يكفي ليضيء أيامه، ويؤمن أن كل تعب سيُثمر يومًا ما. لكن الحياة لا تسير دائمًا كما نشتهي. تراكمت عليه الظروف واحدةً تلو الأخرى، حتى أصبح كل يوم معركة جديدة. لم يخسر قوته في لحظة، بل استنزفتها الأيام بصمت. كان كل موقف صعب ينتزع جزءًا من حماسه، وكل خيبة تُطفئ شيئًا من النار التي كانت تشتعل في داخله. أصبح يفعل ما كان يحبه بلا روح، ويبتسم وهو يحمل في قلبه ما لا يستطيع وصفه. لم يعد ذلك الإنسان الذي يركض نحو أهدافه، بل صار يكتفي بالنجاة من يومه. الشغف الذي كان يوقظه مع الفجر، أصبح ذكرى بعيدة، والأحلام التي كانت تسكن عينيه، غطّاها غبار التعب. ولم يكن ضعيفًا، بل كان قويًا أكثر مما ينبغي. تحمل فوق طاقته، وصبر أكثر مما يحتمل البشر، حتى ظن الناس أن صمته راحة، وهو في الحقيقة كان يخوض معارك لا يعلم بها أحد. أحيانًا لا يكسر الإنسان فشل واحد، بل تكسره كثرة المحاولات التي لم تجد من يقدّرها. وتطفئه الخيبات المتكررة، والوحدة، والخذلان، والشعور بأن كل ما يبذله يضيع دون أثر. عندها لا يموت الطموح دفعةً واحدة، بل يذبل قليلًا كل يوم. ومع ذلك، يبقى في داخله شيء صغير يرفض الانطفاء. قد يختبئ الشغف، لكنه لا يموت، وقد تتعب الروح، لكنها قادرة على النهوض إذا وجدت سببًا يستحق المحاولة من جديد. فالإنسان القوي قد تُرهقه الظروف، وقد تُبطئ خطواته، لكنه يظل يحمل في أعماقه ذلك الشخص الذي كان يحلم، وينتظر اللحظة التي يستعيد فيها نفسه من جديد.