@omer.hashim81: لم أكن أعلم أن بعض الرحيل لا يُعوّض، وأن بعض الغياب لا يُملأ فراغه أبدًا. كنت أظن أن العالم واسع، وأن الأماكن كثيرة، لكنني لم أدرك أن هناك أوطانًا لا تُستبدل، وأمانًا لا يُعاد بناؤه بعد انهياره. كنتُ أهرب من فكرة الفقدان، أغمض عيني كلما شعرت بها تقترب، كأن التجاهل قد يمنع الحقيقة من الحدوث. لكن الفقد لا يحتاج إلى إذن، ولا ينتظر أن نكون مستعدين. يأتي بلا مقدمات، بلا تحذير، يقتلع جزءًا منا، ويتركنا نحاول التعايش مع الفراغ الذي لا يمتلئ. في زحام الحياة، كنت أظن أنني سأعتاد، أن الأيام ستغطي على الغياب، أن الذكريات ستصبح أقل حدة مع الوقت. لكنني كنت مخطئًا. فالأمان حين يُفقد، لا يعود بصيغته الأولى، يبقى مشوّهًا، ناقصًا، مثل باب انكسر مفتاحه، كنافذة فقدت زجاجها، كقلب لم يعد يثق في الدفء الذي وعد به يومًا. لا شيء يعوض حضنًا كنت تهرب إليه، ولا صوتًا كنت تستند عليه عندما تكثر الضوضاء. بعض الرحيل ليس مجرد غياب، بل إعادة تشكيل لكل ما كنا نظنه ثابتًا، لكل ما كنا نبني عليه توازننا. وحين يرحل الأمان، لا نعود كما كنا، بل نصبح نسخًا جديدة منا، نسخًا تحمل ندوبًا لا تُرى، لكنها تُحس في كل خطوة، في كل اختيار، في كل لحظة خوف من أن نفقد مرة أخرى.