@saiftabatabai: ما يورث لا يناقش غالبا، بل يحمى ويدافع عنه، حتى وان لم يختبر يوما امام العقل. وهكذا ينشأ الانسان وهو يظن انه يفكر، بينما هو في الحقيقة يستحضر افكارا لم يخترها، ويكرر احكاما لم يصنعها، ويعيش قناعات لم يمر بها على ميزان البرهان. ومن هنا ولد العقل الجمعي، ذلك العقل الذي يجد في التشابه امانا، وفي الكثرة دليلا، وفي السؤال خطرا. فهو لا يخشى الخطأ بقدر ما يخشى الخروج عن المألوف، لان اثقل ما يحمله الانسان ليس الجهل، بل الخوف من ان يفكر خارج ما اعتاده. اما العقل الحر، فلا ينتمي الى القطيع ولا يعاديه، انه ينتمي الى الحقيقة وحدها. ولهذا يبدو مزعجا، لان وجوده يذكر الاخرين بان الحرية الفكرية مسؤولية، وان اخطر السجون ليست تلك التي تغلق بالابواب، بل تلك التي تبنى داخل العقول حتى يظن اصحابها انهم احرار. ان اعظم اثمان الحرية الفكرية ان تسير احيانا وحدك، لان الحقيقة لا تقاس بعدد المؤمنين بها، بل بقوة الدليل عليها. ولهذا سيبقى العقل الحر قليلا في عدده، كبيرا في اثره، وغريبا في زمن يفضل الطمأنينة على الوعي.