@user46655509386266: يقول أحدهم: دخلت مرة بيت جدي، فوجدت جدتي تطبخ رز بحليب، ولفت نظري أنها كانت تحرك الرز بحليب بيد، وتحمل السبحة بيدها الأخرى فسألتها: كم يحتاج الرز بحليب من الوقت كي ينتهي؟ فالتفتت إلي وهي تبتسم ابتسامة تفيض نوراً ولطفاً وجمالاً وتذكر الله بسبحتها وقالت: (يحتاج ألف لا إله إلا الله). إنها إحدى أسرار البركة والطمأنينة والسعادة، أن تأكل طعاماً توقيت طبخه قول: (لا إله إلا الله) ألف مرة فوقه وحوله. فكيف سيكون حال ذلك الطعام وكيف سيكون تأثيره على آكله. إحداهن : وأنا صغيرة لفترة مع جدتي...تلك العجوز التي لم تنل قسطا كافيا من التعليم ، لكن رزقها الله بدلا من ذلك حكم فطرية عجيبة وإيماناً عميقاً تمر بالبيت أحيانا ظروف إقتصادية صعبة مثلما يحدث في كثير من بيوت الناس لأي سبب (مثل.. ألا يستطيع خالي إرسال مال لها.) أدري كيف كانت تدبر أمر البيت اثناءها إلى أن تمر الأزمة بسلام. لكن في يوم لا أنساه.. جدتي بأزمة طاحنة مفاجئة لم تكن في الحسبان... حيث نزلت للسوق لتشتري بعض الحاجيات فضاع منها كيس نقودها أو سرقه أحدهم. للبيت ودخلت فوراً وهي شاردة نحو دولاب الملابس لتخرج آخر ما تبقى من نقود أنساها حين تسمرت وهي تنظر للخمسة الباقية في البيت كله.. بها لدقيقة كاملة تنظر إليها وكأن نهر من الأفكار والحسابات المعقدة يمر بعقلها لأول مرة في عيني المرأة القوية دموع الحيرة والعجز. ثم كأنها قررت حلاً مفاجئاً ، فالتفتت إلي بحماسة وتصميم تطلب مني أن أساعدها فيما ستفعله.. لكن ما طلبته كاد يصيبني بالجنون. طلبت مني أن أنزل لشراء عشر بيضات وربع كيلو عدس.. فظننت أنها ستطبخه لنا.. ..!! تطبخ العدس في استغراق وإتقان.. وتصاعدت رائحته الجميلة لتغمر البيت.. وسلقت البيض ، وسخنت بعض أرغفة الخبز.. ووضعت بعض الملح والفلفل في ورقة صغيرة ، ثم أخذت كل هذا.. ونزلت إلى الشارع.. وأعطته لبعض الفقراء في الحي .. كدت أجن.. فقد نفد ما عندنا من مال.. وكدت أصرخ فيها : على الأقل كنت أعطني بيضة منهم .. وكأنها قرأت ذلك في عيني المذهولة.. فقالت في إيجاز وثقة كلمتين فقط ( اصبري اصبري) البيت قبيل العصر.. ولم يكن أمامنا إلا أن ننام لبعض الوقت. لكننا استيقظنا على صوت طرق مزعج لباب البيت.. فإذا بولد ممن يبيعون في السوق يسألها : ( كيس النقود هذا لك يا حاجة)؟؟ سقط منها أمام محله ، ولما حاول اللحاق بها تاهت منه في زحمة السوق .. ولأنه أمين فقد سأل الباعة حوله بعد نهاية السوق عمن يعرف بيت السيدة التي مواصفاتها كذا وكذا والتي تأتينا كل أسبوع فأرشدته إحدى البائعات . تمض ساعة.. حتى ارتفع صوت طارق آخر فإذا بصديق لخالي عاد من سفر ليعطينا دين عليه لخالي اقترضه قبل السفر مع هدايا وحلويات . قالت جدتي :(يا بنتي.. اللقمة تزيح النقمة..كل ما تضيق بك وتلاقي روحك مضايقة.. اطعمي فقير او محروم) لها ضاحكة : (طيب كنا نعطي حاجة ثانية أحسن من العدس). : العدس من الاكل الذي ربنا ذكره في القرآن الكريم.. وكذالك أنا أعطيه للناس لأني أحبه.. للناس من اللقمة اللي تحبيها.. يقوم ربنا يحلي زادك ويفك كربك فيما بعد وعرفت التأصيل الشرعي لثقافة جدتي الحديث القدسي (انفق يا ابن آدم أنفق عليك) قول الله تعالى :(وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه، وهو خير الرازقين) تكن جدتي تحفظ هذه النصوص.. لكن هذا اليقين يسري في كيانها كله. كانت في أيام الشتاء الباردة تسلق البيض أو تعمل بعض الطعام وتعطيه لعمال النظافة. وقرأت الكثير عن فضائل الإنفاق في سبيل الله وآثاره على العبد في الدنيا والآخرة. في يقين من عاين كل هذا بعينيه ، ورأى كيف يستر الله أسرة بسيطة كبيرة العدد قليلة الرزق عبر سنوات ويعبر بهم نهر الحياة في بساطة وبركة ويسر. أن التعامل مع الله تجارة رابحة.. وأن من تعامل مع الله عرف كرمه ولطفه ورحمته... فقط تعامل معه بيقين... ارزقنا يقيناً لا يشوبه شك وارزقنا اللهم العمل به انك ولي ذلك والقادر عليه.......