@lordbk19: المحصول يمني : من مقهى pivot يا لله كم في هذا الفنجانِ الصغيرِ من حكاية! انظرْ إليه وهو مستقرٌّ في بياض الخزف، كأنه شمسٌ غاربةٌ حُبست في كفِّ إناء؛ هذه الرغوةُ الذهبيةُ التي تعلوه، المنقّطةُ بنمشِ البُنِّ الداكن، ليست زَبَداً عابراً، بل هي خلاصةُ حبَّةٍ قطعتْ إليك المسافاتِ من مدرَّجات اليمن المعلّقة بين السحاب، من تلك الجبالِ التي يزرع فيها الفلاحُ اليمنيُّ شجرتَه على حافة الهاوية، ويسقيها من غيثٍ قليلٍ وصبرٍ كثير، ثم يقطفها كما تُقطف الياقوتة من صخرها. وتأمّلْ كيف اجتمع في هذا الطبقِ ما تفرّق في التاريخ؛ فهذا البنُّ الذي بين يديك هو سليلُ المُخا، الميناءِ الذي كان يوماً يُملي على الدنيا كلِّها ذوقَها، وتقف على أرصفته سفنُ الفرنجة تتسوّل حبةً من حَرازٍ وبني مطر، حتى صار اسمُ المدينة اليمنية "موكا" يتردّد في مقاهي باريس ولندن وأصحابُه لا يدرون. ثم ها هي الحبةُ تعود إليك اليوم في جزيرة العرب، مضغوطةً في آلةٍ حديثةٍ تعصرها عصراً، فتخرج لك هذه الكريما الكثيفة كأنها اعتذارُ الحضارةِ الحديثةِ لأرضٍ سبقتْها بقرون. وعلى طرف الصينية ترقد حبّاتُ المسبحةِ الفيروزية، زرقاءَ كسماء صنعاء بعد المطر، تذكّرك أن القهوة ما خرجت أولَ ما خرجت إلا من زوايا الذاكرين، شربها المتعبّدون في اليمن ليقوموا بها الليل، فكانت شرابَ سهرٍ في طاعة قبل أن تكون شرابَ سهرٍ في غفلة. وإلى جوارها قطعةُ شوكولاتةٍ داكنة، وكأسُ ماءٍ يتكسّر فيه الثلج؛ فالمرارةُ هنا لا تُشرب وحدها، بل تُشرب كما تُشرب تجاربُ العمر: مرارةٌ في الوسط، وحلاوةٌ على الحافة، وماءٌ بارد يغسل ما بقي. ثم اقرأ تلك البطاقة الصغيرة المرسوم عليها بيتُ المقهى بريشة رصاص: "مساحةٌ صغيرة، وشغفٌ لا ينتهي". وصدقوا؛ فإن الأشياء العظيمة قلّما جاءت من الاتساع، وإنما تجيء من التركيز، كهذا الفنجان نفسِه: حجمُه أصغرُ ما على الصينية، وأثرُه أبقاها. فاشربه على مهل، فإنك لا ترتشف قهوةً، وإنما ترتشف جبلاً يمنياً كاملاً، وتاريخاً من الموانئ والزوايا والأيدي المتعبة، اختُصر كلُّه في جرعتين. #espresso #مقاهي_الرياض #اسبريسو