@mh26ij: العشوائية ديدنُ الحياة؛ غير أن العقل يعجز عن وصف ذلك الترتيب الغريب الكامن في قلب العشوائية. الإله جعل الحياة مزدوجةً في كل طرفٍ منها طريق، وفي كل طريقٍ اختيار، وفي كل اختيارٍ مشقّة. حتى الطريق الذي أظنّه صحيحًا — وأقول صحيحًا لأن الأدلة على صحته أكثر من غيره — لا يخلو من التعب والعواصف، ولا يعفيني من لحظاتٍ أشك فيها بنفسي، وباختياري، وبجدوى سلوكي لهذا الدرب. وإن اخترت الطريق الآخر، وجدت فيه المشقة ذاتها، والعواصف ذاتها، وربما وجدت فيه أيضًا ثمرًا يؤتي أُكله. وهنا تكمن غرابة الحياة. فليس كل طريقٍ شاقٍّ خاطئًا، ولا كل طريقٍ ميسّرٍ صحيحًا؛ وربما كان الإنسان قادرًا على الوصول من جهتين مختلفتين، لكن لا يعلم أيّهما كان ينبغي أن يسلك إلا بعد أن يقطعه.. والأغرب أن الحياة لا تمنحك يقينًا كاملًا وأنت تسير؛ بل تمنحك إشارات: صدفةً تأتي في وقتها، حلمًا يترك في النفس أثرًا، حدسًا لا تعرف له مصدرًا، لقاءً عابرًا يغيّر شيئًا فيك، أو بابًا يُغلق فتظن أنك خسرت، ثم تكتشف بعد زمن أنك كنت تُقاد إلى مكانٍ آخر. ولعل الحياة جميلة بسبب هذه الغرابة تحديدًا. فلو كانت مرتبةً أمام الإنسان ترتيبًا كاملًا، لمات من فرط اليقين قبل أن يموت من الحياة؛ ولو عُرف الطريق مسبقًا بكل تفاصيله لطغى الإنسان وتعالى على أقرانه، ولتحولت الرحلة إلى مجرد تنفيذٍ لخريطةٍ محفوظة، لذلك وُجدت الحرية، ووُجدت العشوائية، ووُجد ذلك الترتيب الخفي المختبئ داخلها. نحن لا نعيش لأننا نعرف الطريق، بل لأننا نسير ونحن لا نعرفه تمامًا… تلك الصدف، والأحلام، والحدوس، والاختيارات، والعواصف، والشكوك، وحتى الأخطاء التي نظنها في لحظتها نهايةً للطريق؛ كل ذلك هو ما يمنح الحياة لذتها. #الحياة