@arselanehb: ثمة عمق في حياة الإنسان لا يعود فيها القلم أداةً للكتابة، بل يصبح شاهداً على ما عجزت الروح عن دفنه. لن أكتب، لأن الكلمات أحياناً تكون خيانةً للحقيقة؛ فما إن تحاول أن تضع اللامتناهي في جملة، حتى تكون قد قتلْت شيئاً منه. وما إن تمنح الألم اسماً، حتى جعلته أصغر من أن يحتويك. وما إن تصف الروح، حتى توهمتَ أن اللغة قادرة على الإحاطة بها، والروح أوسع من كل الحروف. لن أكتب عن الإنسان؛ لأنه سؤالٌ يمشي على قدمين، يحمل في صدره قبراً، وفي عينيه كوناً لا يعرف كيف ينظر إليه. ولن أكتب عن الحياة؛ لأن الحياة ليست ما يحدث لنا، بل ذلك السر الذي يجعلنا نسأل: لماذا يحدث لنا؟ ولن أكتب عن الموت؛ لأن الموت ليس مجرد نهاية، بل ربما كان النهاية التي تمنح الأشياء معناها. لولا الموت لما كان للوقت قداسة، ولما كانت القبلة الأخيرة مختلفة عن الأولى، ولما كان للغياب كل هذا السلطان على القلب. ولن أكتب عن الله؛ لأن كل ما يُقال عنه يظل أقل من الصمت الذي يقود إليه. سأصمت إذن. لكن الصمت خانني. ففي داخلي شيء ظل يطرق أبواب الوعي، كمن يعرف أن وراءها حقيقة لا ينبغي أن تبقى سجينة. وهنا فهمت: سأكتب لا لأن لديّ ما أقوله، بل لأن هناك أشياء إذا لم تُكتب تحولت في الإنسان إلى ظلال، والظلال إذا طال بقاؤها صارت أشباحاً. سأكتب عن ذلك الجزء الخفي فينا؛ الذي يبتسم أمام الناس، ثم يعود إلى غرفته ليجلس طويلاً أمام نفسه، عاجزاً عن تفسير الفراغ الذي لا اسم له. سأكتب عن الإنسان الذي قضى عمره يبحث عن نفسه في عيون الآخرين، حتى نسي أن المرآة الوحيدة التي لا تكذب هي تلك التي يخشى الوقوف أمامها. سأكتب عن الحب؛ لا بوصفه وردةً في يد عاشق، بل بوصفه أكثر أشكال الوعي قسوةً. لأنك حين تحب حقاً، لا تكتشف شخصاً آخر فحسب، بل تُفتح أمامك أبواب نفسك التي قضيت عمرك تهرب منها. وسأكتب عن الوحدة؛ تلك التي لا علاقة لها بعدد الذين يجلسون حولك. فقد يكون المرء وسط ملايين البشر، ومع ذلك يشعر أنه آخر كائن حي في الكون. وقد يجلس بجانب إنسان واحد، فيكتشف أن المسافة بين روحين قد تكون أبعد من المسافة بين مجرتين. سأكتب عن الوعي؛ تلك النعمة التي تشبه اللعنة. فالجاهل قد ينام مطمئناً إلى أكاذيبه، أما من رأى الحقيقة مرة، فلن يستطيع أن يعيد عينيه إلى العمى. الوعي لا يجعلك أكثر سعادة بالضرورة؛ إنه يجعلك أكثر قدرة على رؤية الثمن الذي تدفعه السعادة. يجعلك ترى ما وراء الكلمات، وما تحت الابتسامات، وما بين لحظتين من الصمت. وسأكتب عن الزمن؛ ذلك الوحش الصامت الذي لا يقتلنا دفعةً واحدة، بل يأخذ منا شيئاً كل يوم، ثم يتركنا نكتشف متأخرين أننا أصبحنا غرباء عن الذين كناهم. أين ذهب الطفل الذي كنا عليه؟ ومن أقنعنا أن النضج هو أن نتخلى عن أحلامنا؟ ربما لم نكبر؛ ربما فقط تعلمنا كيف نخفي دهشتنا. وربما الإنسان لا يموت حين يتوقف قلبه، بل حين يتوقف السؤال داخله. لذلك سأكتب. سأكتب حتى آخر سؤال، حتى أصل إلى تلك الحافة التي تصبح فيها اللغة عاجزة، ويصبح الصمت أكثر بلاغة من كل الكتب. سأكتب لا لأشرح الحياة، ولا لأعلّم أحداً كيف يعيش، ولا لأضع الحقيقة بين غلافين. سأكتب لأترك نافذةً مفتوحة في جدار هذا العالم؛ نافذةً يطل منها شخص ما، بعد سنوات، فيرى شيئاً لم أره أنا. فربما ليست وظيفة الكتابة أن تمنح الإنسان الإجابات، بل أن تفسد عليه راحة الأسئلة السهلة. أن تجعله يعود إلى نفسه ويسأل: من أنا؟ لماذا أنا هنا؟ وماذا لو كان المعنى الذي أبحث عنه في نهاية العالم، مدفوناً منذ البداية في أعمق مكانٍ في داخلي؟ ولهذا سأكتب. لا بالحبر وحده، بل بكل ما نجا مني بعد الخسارات؛ بكل شخص غاب وترك في روحي غرفةً مغلقة، وبكل ليلة ظننت أنني لن أعبرها ثم عبرت، وبكل سؤال لم يجد جواباً، وبكل جواب اكتشفت أنه كان سؤالاً آخر. سأكتب بما تبقى من الإنسان حين تسقط عنه أسماؤه ومكانته وأقنعته، ولا يبقى أمامه سوى ذلك الكائن العاري الذي ينظر إلى السماء ويسأل:هل كان لكل هذا الألم معنى؟ وربما، حين لا تأتي الإجابة، يفهم أخيراً أننا لم نُخلق لكي نفهم الكون كله. ربما خُلقنا لكي نمر فيه بوعي يكفي لأن ندرك عظمته؛ أن نحب رغم معرفتنا بالفقد، وأن نحلم رغم معرفتنا بالنهاية، وأن نمشي في الظلام لا لأننا نعرف أين ينتهي الطريق، بل لأن في داخلنا شيئاً أقدم من الخوف يقول: امضِ. ولهذا، بعد كل ما قلت، أعود إلى الجملة الأولى: لن أكتب. ثم أنظر إلى الصفحة، فأجد أن يدي قد كتبت بالفعل. كتبت لأن الصمت لم يعد يتسع لي. كتبت لأن بعض الحقائق لا تريد أن تُقال، وإنما تريد أن تُعاش. كتبت لأن الإنسان، مهما حاول أن يهرب من نفسه، يظل في النهاية آخر قارئٍ لكتاب روحه. وربما كانت أعظم كتابةٍ يمكن أن يبلغها الإنسان هي تلك اللحظة التي يضع فيها القلم جانباً، وينظر إلى حياته، ثم يدرك: أنه لم يكن يكتب عن العالم قط… بل كان العالم، منذ البداية، يكتب نفسه فيه. (أ،ح)🖋 #fyp #foryou