@m.85mn: تباً للبعد، وتباً لتلك المسافات الباردة التي تفصل بيننا، وتباً لكل ظروفٍ قاسيةٍ سرقت منا لقمة اللقاء وزرعتنا في مهب الشوق والانتظار! تباً للبعد لأنه يجرؤ على تركيز أنفاسك في خاطري ويحرم يدي من ملامسة يدك، ولأنه يتركني وحيدةً أمام طيفك كلما أردت أن ألتفت لأجرك إلى جانبي فلا أجد سواك في الذاكرة. لقد اشتقت إليك.. واشتياقي هذه المرة ليس عابراً ولا يشبه أي شوقٍ مضى، إنه يشبه العاصفة التي تقتلع كل شيء في طريقها، يشبه الجوع القديم لدفء صوتك، ولنبرتك التي تعرف كيف تعيد ترتيب روحي المبعثرة بكلمةٍ واحدة. لقد بلغ مني الحنين كل مبلَغ، حتى صار الهواء الذي أتنفسه محملاً بذكراك، وصارت تفاصيل أيامي الباهتة تبحث عن لونك لتكتمل. فهل تظن حقاً أنني بخير؟! كيف أكون بخير وأنا أحمل في صدري هذا الثقل كله وحدي؟ كيف أكون بخير وأنت لست هنا لترى كيف تتلاعب بي الأفكار كلما مر بي المساء؟ هل تخيلت يوماً شكل اللحظات التي تمر علي وأنا أعد الساعات علها تقربني من لقياك، أو علها تحمل لي شيئاً منك؟ إنهم يظنون أنني أضحكة الأيام وأنني أعيش حياتي بشكل طبيعي، لأنهم لا يعلمون أنني أقاتل طوال اليوم لأخفي أثر غيابك عن ملامحي، ولأمنع دمعةً تمر بغتةً فتفضح هشاشتي أمامهم. أنا لست بخيرٍ أبداً.. وهذا هو عتابي الأكبر لك؛ كيف تطاوعك قلبك أن تتركني هكذا أعاني قسوة الأيام وحدي؟ كيف تطيق صبراً وأنت تعلم أن بيننا نصف روحٍ ونصف نبض؟ ألا تشعر بهذا الخواء الذي يترك مكاناً شاسعاً لا يملؤه سوانا؟ إن الغياب ليس مجرد مسافة جغرافية تقاس بالأميال، بل هو جحيمٌ مصغر يعيشه القلب الذي يحب بصمتٍ ويحترق ببطء. ليتك تقترب قليلاً لتسمع ما لم تطق الحروف قوله، ليتك تضع يدك هنا على صدري لتعرف كيف ينتفض اسمك كلما مر طيفك في خاطري. كفانا بعداً، وكفانا عناداً مع الظروف، فالحياة أصرت على أن تثبت لنا أننا ضعفاء جداً أمام الشوق، فلماذا نمنحها الفرصة أكثر من ذلك؟ عد.. فقد اتسع الغياب حتى أكل ما تبقى من صبري، وما عاد في طاقتي أن احتمل يوماً إضافياً من هذا العذاب.M .M