ربِّ وفِّقنا لما تحب وترضى، فنحن عبادك مفتونون بين خير وشر، فأصلح عاقبتنا في الأمور كلها.
2026-08-25 12:55:01
0
استغفرالله واتوب اليه :
ابن القيم :من عرف أن الدنيا دار ممر :كان حريا بتهيئة الزاد لقراره ويعلم حينئذ أنه لم ينشأ في هذه الدار للاستيطان والخلود، ولكن للجواز إلى مكان آخر هو المنزل والمتبوأ - الإنسان دعي إلى الآخرة بكل شريعة وعلى لسان كل نبي وبكل إشارة ودليل ونبه عليه بنشأته الأولى بحيث ازيلت عنه الشبهه وأقيمت عليه الحجة - استبان لذي العقل والفطرة :أن الانتقال عن الدنيا ضروري وأن له محلا آخر لأجله قد خلق فمصيره إليه وقدومه عليه وأن داره هذه منزل عبور! إذا خلا القلب من الاهتمام بالدنيا وتعلق بالآخرة وتأهب للقدوم على الله فذلك أول فتوحه وتباشير فجره - من سافر إلى الجنة :صبر في طريقه على كل مشقة وواصل السير بالغدو والرواح وماهذا والله بالصعب مع هذا العمر القصير الذي هو بالنسبة إلى تلك الدار كساعة من نهار - الناس مفتونون ممتحنون بما يفنى من المال والصور والرياسة معذبون بذلك قبل حصوله وحال حصوله وبعد حصوله - ما أشد من باع طيب الحياة الطيبة والنعيم المقيم، بالحياة المنغصة المنكدة، المتصلة بالعذاب الأليم، والمدة :ساعة من نهار، أو يوم أوبعض يوم، فيه ربح الأبد أوخسارة الأبد - من ترحل قلبه عن الدنيا :قام بقلبه شاهد من الآخرة ودوامها وأنها محط الرجال وأنها هي الحيوان حقا فأهلها لايرتحلون منها بل هي دار القرار ومحط الرجال ومنتهي السير - العبد في هذه الدار غريب، وهو على جناح سفر، لايحل عن راحلته إلا بين أهل القبور؟ فهو مسافر في صورة قاعد - الناس كلهم غرباء ،فإنها ليست لهم بدار مقام، ولاهي الدار التي خلقوا لها - الإجتهاد في هذا العمر القصير إنما هو للحياة الآخرة وهي "يقظة" وما قبلها من الحياة "نوم" الحياة الدائمة بعد طئ هذا العالم في دار الحيوان وهي الحياة التي شمر إليها المشمرون ونادت الكتب السماوية والرسل عليها والحياة الدنيا :كالنوم - إن المشتاقين للقاء الله يرتقبون هذا الموعد مستعدين للقائه بالآستعدادات الدينية والسعي في الأعمال الصالحة ليفوزو بلقاء الله فيكون لهم حياة طيبة في الدنيا ولقاء مبارك في الآخرة - ومتى رأيت القلب قد ترحل عنه حب الله والإستعداد للقائه وحل فيه حب المخلوق والرضا بالحياة الدنيا والطمأنينة بها فاعلم أنه قد خسف به - والعجب كل العجب من حالا أكثر الناس كيف ينقضي الزمان وينفذ العمر والقلب محجوب عن الله ودار الآخرة وخرج من الدنيا كما دخل إليها وماذاق أطيب مافيها بل عاش عيش البهائم وانتقل منها انتقال المفاليس فكانت حياته عجز وموته كمد ومعاده حسرة واسفا - والقرآن مملؤ من التزهيد من الدنيا والإخبار بخستها قلتها وانقطاعها وسرعة فنائها والترغيب في الآخرة والإخبار بشرفها ودوامها)