@raheeq_iman1: ربما أكثر ما يضلّلنا في الحياة، أننا نرى الشيء مرة واحدة، ثم نمنحه حكمًا نهائيًا، كأن النظرة الأولى كانت كافية لمعرفة كل ما وراءه. نرى بابًا مغلقًا، فنفترض أن لا أحد في الداخل. نرى طريقًا طويلًا، فنحسبه بلا نهاية. نرى وجهًا صامتًا، فنظن أننا فهمنا ما يخفيه. نرى جدارًا من جهة واحدة، ثم نقرر أنه مائل. نحن بارعون في اختصار الأشياء. نأخذ لحظة واحدة من حكاية كاملة، ونضع لها عنوانًا. نأخذ تصرفًا عابرًا، ونبني عليه صورة إنسان. نأخذ يومًا سيئًا، ونظن أنه يشبه العمر كله. وأحيانًا نفعل الشيء نفسه بأنفسنا؛ نأخذ أكثر نسخنا تعبًا، ثم نقنع أنفسنا أنها النسخة الحقيقية. مع أننا لا نعيش داخل الأشياء بما يكفي لنعرفها. لا نعرف كم مرة حاول الباب أن يُفتح قبل أن يُغلق. ولا كم خطوة قطعها الطريق قبل أن يبدو طويلًا. ولا كم حكاية بقيت خلف ذلك الصمت. ولا كم ضوءًا مختلفًا مرّ على الجدار قبل أن نراه نحن بهذه الصورة. كل ما نعرفه هو ما وصل إلى أعيننا. وهذا لا يعني أنه الحقيقة كلها. ربما لهذا لا أحب الأحكام التي تأتي بسرعة. ليس لأن كل شيء يستحق التبرير، ولا لأن كل ما نراه يجب أن نبحث له عن عذر، وإنما لأن الحياة أوسع من أن تختصرها زاوية واحدة. هناك أشياء لا تتغير حين نقترب منها، بل حين نغيّر مكاننا أمامها. قد تقف أمام مشهد طويلًا ولا تفهمه، ثم تتحرك خطوة واحدة، فيسقط الضوء على تفصيل صغير كان غائبًا عنك، وفجأة يصبح ما بدا غامضًا مفهومًا. وربما نحن أيضًا بحاجة إلى تلك الخطوة. أن نبتعد قليلًا عن أحكامنا، عن غضبنا، عن الصورة التي اعتدناها، وأن نسأل أنفسنا: هل رأيت الحقيقة فعلًا، أم رأيت الجزء الذي سمحت لي زاويتي برؤيته؟ فكم من شيء رفضناه لأننا لم نعرف كيف ننظر إليه، وكم من معنى أخطأنا في قراءته لأننا وصلنا إليه بعين مستعجلة. حتى أنفسنا تحتاج أحيانًا إلى أن ننظر إليها من جهة أخرى. فما ظننّاه ضعفًا قد يكون أثر معركة طويلة، وما سميناه فشلًا قد يكون الطريق الذي قادنا إلى مكان لم نكن نعرف أننا نحتاجه، وما اعتبرناه نهاية ربما كان مجرد نهاية للصورة القديمة التي كنا نصرّ على البقاء داخلها. لهذا، ربما لا تكون الحكمة في أن نرى أكثر، بل في أن نعرف أن ما نراه ليس كل شيء. أن نترك دائمًا مساحة لاحتمال آخر، ونظرة أخرى، ومعنى لم يصلنا بعد. فبعض الحقائق لا تختبئ لأنها بعيدة، وإنما لأنها تقف خارج مجال رؤيتنا. والأشياء، مثلنا تمامًا، لا تُفهم دائمًا من الواجهة الأولى. قد تحتاج فقط إلى أن نغيّر موضعنا قليلًا، وأن نسمح للنظر أن يكون أبطأ، وللقلب أن يكون أوسع. وعندها قد تكتشف شيئًا بسيطًا، لكنه كافٍ ليغيّر كل ما ظننته قبل ذلك: أن الحقيقة لم تكن غائبة... كنت أنت واقفًا في الجهة التي لا تُظهرها. . . . . . . . ✍️ :رحيق . . . . . . . #اكسبلور #خواطري #كتاباتي