@qf5ls: في لقائي الأخير بك، كنتُ أشحذُ نظري عليك، وأُطيلُ النظرات، كأنني أحاول أن أحفظك للمرة الأخيرة، وكأن عينيّ كانتا تعرفان ما لم أستطع أنا الاعتراف به: أن هذه النظرة قد لا تتكرر. حتى آلمتني عيناي، لكنّهما لم تدمعا، ولا دمعةً واحدة. كانت الدموع تتجمع بصمت، تتراكم في داخلي، حتى وصلت إلى قلبي، ثم استقرت في حلقي كشيءٍ لا أستطيع ابتلاعه ولا أستطيع إخراجه. لم أتحدث، ولم أقل كلمة. كنت أخاف إن تكلمت أن ينهار كل شيءٍ حاولتُ أن أبقيه متماسكًا طوال تلك السنوات. كنت أخاف أن يفضحني صوتي، أن تسمع في ارتجافه كل ما أخفيته عنك، أن تعرف من كلمةٍ واحدة أنني لم أكن بخير، وأن كل ذلك الصمت لم يكن برودًا كما ظننت، بل كان محاولةً أخيرة لأحمي ما تبقى مني. لذلك فقط استمررتُ في النظر. كنت أحفظ كل شيءٍ يخصك، ملامح وجهك، نظراتك، صوتك، حركة يديك، حتى الأشياء الصغيرة التي لم تكن تعرف أنني كنت أنتبه إليها. كنت أحفظك كما يحفظ المرء شيئًا يعرف أنه لن يستطيع امتلاكه مرةً أخرى. وكنت أسمع اعتذارك لي، لكنه كان يصل إلى أذني كصوتٍ بعيد، كلامٍ عابر، شيئًا يقال ثم ينتهي. فقد اعتدتُ اعتذاراتك الكثيرة، حتى فقدت الاعتذارات معناها عندي. لم أعد أبحث في كلماتك عن كلمة «آسف»، كنت أبحث عن الإحساس الذي خلفها، عن الندم الحقيقي، عن ذلك الشيء الذي يجعل الإنسان يخاف أن يخسر من أحبه قبل أن يؤذيه. لكنني لم أشعر به. كان اعتذارك يأتي، ثم يعود كل شيءٍ كما كان. وكأن الاعتذار عندك كان طريقةً لتُبقي الباب مفتوحًا، لا طريقةً لتُصلح ما كسرته. وأنا… كنت أحرق كل مشاعرك، وأطفئها بدموعي التي كنت أبتلعها واحدةً تلو الأخرى، حتى لا يبقى لك أثرٌ أكثر مما بقي بالفعل. في كل مرة، كنت أرمي بكل شيءٍ منك، فيك، ولك. أرمي غضبي، عتبي، خوفي، حنيني، وحتى الحب الذي كنتُ أخجل من الاعتراف بأنه ما زال موجودًا. كنت أظن أنني حين أتخلص من كل ما يؤلمني بسببك، سأتخلص منك. لكنني اكتشفت متأخرة أن الإنسان لا يستطيع أن يرمي جزءًا من قلبه دون أن يتأذى هو أيضًا. ولهذا سئمت. سئمت من محاولتي أن أكون أقوى منك، ومن محاولتي أن أثبت أنني لا أحتاجك، ومن كل مرةٍ كنت أقول فيها «هذه آخر مرة»، ثم أترك لك في داخلي سببًا صغيرًا آخر للعودة. حتى خشيتُ أن أصل إلى مرحلة لا أعود فيها أرمي ما منك، بل أرمي نفسي. فالدمع إذا هطل، جاء غيره، والحزن إذا وجد مكانًا في القلب، لا يخرج منه بسهولة. لكنني كنت ثمينة. وهذا ما سأدركه، ربما بعد سنواتٍ من فقداني، حين تحاول أن تملأ فراغي بكل أنواع الأشياء. ستملأ أيامك، وأماكنك، ووقتك، وربما قلبك أيضًا. ستضع أصواتًا كثيرة مكان صوتي، ووجوهًا كثيرة مكان وجهي، وحكاياتٍ جديدة فوق الحكاية التي كانت بيننا. لكنّك، رغم كل ذلك، ستجد الفراغ ما زال هناك. باردًا، صامتًا، ولا يشبه أي شيء. وستعرف حينها أن بعض الأشخاص لا يتركون فراغًا يمكن ملؤه، بل يتركون مكانًا لا يعود كما كان بعد رحيلهم. مثل جسدي الآن، وأنا أودعك، وكل ما فيّ ما زال معتادًا عليك. معتادًا على حرارتك، على دفء قربك، على وجودك في تفاصيل يومي، على فكرة أن هناك شخصًا يمكنني أن أعود إليه مهما حدث. كنتُ معتادة عليك إلى الحد الذي جعل رحيلك يشبه اقتلاع شيءٍ من مكانه الطبيعي. ولهذا يؤلمني الوداع. ليس لأنني لا أستطيع أن أعيش دونك، بل لأن جزءًا كبيرًا مني تعلّم الحياة وهو يظنك فيها. وحين تدرك يومًا أنني في كل مرةٍ كنت أصدّ عنك، لم أكن أصدّ كلي، ستفهم أنني كنت أغلق أبوابي، لكنني أترك لك نافذةً صغيرة. نافذةً لا يراها أحد. كنت أتركها مفتوحة لأنني، رغم كل شيء، كنت أريد أن أصدق أنك ستأتي يومًا لا لتعتذر، بل لتفهم. أن تأتي دون أن أطلب، دون أن أبكي، دون أن أشرح لك للمرة الألف كيف تؤلمني الأشياء التي تفعلها. كنت أترك لك تلك النافذة لأنني كنت أحبك، ولأن الحب أحيانًا يجعلنا نترك طريقًا للعودة حتى لمن أقسمنا أننا لن ننتظره. كنت تجدني هناك. وكان يكفي أن تقترب، لأعيد ترتيب كل شيءٍ من جديد. كنت أكرهك، ثم أشتاق إليك. أغلق الباب، ثم أترك النافذة. أقول إنني انتهيت، ثم أراقب الطريق وأتساءل إن كنت ستعود. لكن الآن… عندما تبحث عن تلك النافذة، لن تجدها. لن تجدني خلفها. لن تجد ذلك الجزء مني الذي كان يراقب عودتك رغم كل ما قلته. سأكون قد أغلقت كل دربٍ يمكن أن يوصلك إليّ، لا لأنني لم أعد أحبك، بل لأنني تعبت من أن يكون حبك هو السبب الذي يجعلني أفقد نفسي. هذه المرة لن أغلق الباب وأنتظر صوتك خلفه. لن أترك نافذةً صغيرة، ولا طريقًا خفيًا، ولا كلمةً معلقة يمكن أن تعيدني إليك. لن ألتفت لأرى إن كنت تناديني. وسأمضي… ليس لأن الرحيل لم يعد يؤلمني، بل لأنني أخيرًا فهمت أن بعض الأبواب حين تُفتح كثيرًا لمن لا يعرف قيمتها، يصبح إغلاقها رحمةً بالنفس. وهذه المرة، سيكون ذهابي ذهابًا حقيقيًا. لا تهديدًا، ولا عتابًا، ولا محاولةً لأجعلك تشعر بفقداني. #fyp #dancewithpubgm #foryou #viralvide #viral