@150_yos: اللسان هو ذلك العضو الصغير الهشّ الكامن في ظلمة الفم، لكنه يحمل من القوة الفلسفية والوجودية ما يجعله أشد وطأة من السيوف القاطعة، فهو ليس مجرد أداة للتواصل، بل هو مرآة الوعي، ومترجم الغيب، والمقرر الأول لمصير الإنسان في هذا الوجود. حين قال الحكماء "بلاء الإنسان اللسان"، لم يكن قولهم مجرد وعظ عابر، بل صياغة لمعادلة فلسفية عميقة تُعبر عن المأزق الإنساني؛ فالكلمة قبل أن تنطق بها تكون أنت مالكها وأميرها، وتظل حبيسة فكرك في حصن من السلامة، لكنها بمجرد أن تلامس الشفاه وتتحرر إلى فضاء العالم الخارجي، ترتد لتصبح مالكتك ومستعبِدتك، وتقيدك بتبعاتها الوجودية والأخلاقية. إن فلسفة اللسان تقوم على التناقض الصارخ بين صغر حجمه وعظم جُرأته وجَريرته، إذ هو الجسر الذي يربط بين باطن الذات الحالمة وظاهر العالم المتصادم، ومن هنا تولد المحنة، فبكلمة واحدة يُشيّد الإنسان صروحاً من المودة، وبكلمة واحدة يهدم بها حيوات كاملة، ليتحول هذا العضو من أداة للبيان والارتقاء الروحي إلى زنزانة ميتافيزيقية يصنع الإنسان قضبانها برعونة منطقه. في الصمت تكمن طاقة كونية من الحكمة والتحصّن، حيث ينكفئ الوعي على نفسه متأملاً، معتصماً بحبل النجاة، بينما في الثرثرة والتسرع بالقول ينكشف الغطاء عن عورات العقل والروح، ويتحول المنطق إلى سلاح ارتدادي يمزق صاحبه قبل غيره، مما يجعل اللسان حداً فاصلاً بين الوجود والعدم، وبين السلامة والهلاك، ليظل بلاء الإنسان كامناً في قدرته على نطق حتفه بيد لغته.