@m_117h3: الفَراق مُرّ بطبيعته، لكنه يصبح أشدَّ إيلامًا وأكثر إعياءً للروح حين يكون من تركك وتوقّف عن القرب منك ما زال حيًّا. إنه ذلك الحزن الغريب الذي لا يرتدي السواد ثوبَ حداد، ولا يجد له مكانًا في مقابر الراحلين، بل يتيه في الشوارع، ويتنفّس من خلال الهواتف، ويعيش تحت الشمس نفسها التي تظللك، ومع ذلك يبقى بينك وبينه أفقٌ لا ينقطع، وجدرانُ عوائقٍ ومسافاتٍ نفسيةٍ وقَدَريةٍ تجعل اللقاء مجرّد حلمٍ مستحيل. أن تفقد شخصًا بالموت أمر يقودك إلى الاستسلام للقدر؛ تبكي، وتسترحم، وتجد العزاء في يقين أن اللقاء لن يكون إلا في دار الحقيقة. أمّا أن تفقد شخصًا تحبّه وهو يتحرّك ويفكّر ويضحك ويعيش يومه بعيدًا عنك، فهذا ألمٌ لن يزول أبدًا. إنه ألمُ حضورٍ غائبٍ وحضورٍ مفقود. تشعر كأن روحك عالقة في منطقةٍ وسطى، بين أملٍ يرفض أن يموت وخيبةٍ تكبر كلَّ يوم. تعرف أنه يرى السماء نفسها، ويتنفّس الهواء نفسه، ويعيش الفصول نفسها، لكن لا حقّ لك في أن تمشي إليه، ولا أن تتطلّع إلى عينيه، ولا أن تقرأ حرفًا واحدًا من بريده. تحمل هاتفك كلَّ ليلة، ويدك مرتعشة بين الشاشة واللا شيء. تعرف أن اسمه يلمع هناك في كل زاويةٍ من هذا العالم الرقمي. تفكّر: ماذا لو أرسلتُ كلمةً واحدة؟ ماذا لو قلتُ إن الحياة بعدك أصبحت رماديّةً باهتة؟ ثم تتذكّر العوائق الصلبة التي تقف بينكما، والظروف التي فرضت هذه المسافة الظالمة، أو ربما القرار الحاسم الذي جعل اللقاء خطًّا أحمر لا يمكن تجاوزه. تعيد هاتفك إلى جانبه، وتترك لقلبك أن ينتفخ ألمًا في صدرك. هذا هو العذاب اليومي؛ أن تلتقي به كلَّ ليلة في خيالك وتتحدّث معه لساعاتٍ طويلة، ثم تستيقظ لتجد نفسك تصارع صمتَ الغرفة البارد. أحيانًا تمرّ بمكانٍ شهد حكاياتكما القديمة، فيتوقّف قدمك رغْمًا عنك. تتذكّر كيف كان ضحكه يملأ الزوايا، وكيف كانت التفاصيل البسيطة بينكما كأنها العالم كلّه. ثم تلتفت حولك فتصطدم بالواقع البارد: أنت هنا وحدك، وهو في مكانٍ آخر، يقضي حياته من دون أن تراه عيناك. يؤلمك أن تتخيّل أنه قد يبدأ يومًا جديدًا من دون أن يتذكّر اسمك، أو أن يمرّ على ذكرياتك كما يمرّ غريبٌ على أنقاض لا تعنيه، بينما أنت ما زلت سجين تلك اللحظات التي جمعَتْكما. صعوبة هذا الفراق أنه بلا نهاية. لا توجد حكايةٌ مكتملة تُختَم بنقطة؛ بل هناك حبلٌ قويّ قُطِع فجأة، تاركًا أطرافه تتأرجح في الفراغ. رأسك ممتلئ بأسئلةٍ بلا إجابة: هل هو باردٌ مثلي؟ هل العطر الذي تحبّه يذكّره بي؟ أم أن الحياة قد جرفته حتى صار مجرّد هامشٍ معزول من ماضٍ قديم؟ هذه الأسئلة بالذات هي ما يستنزف الطاقة والروح؛ لأنك لا تستطيع أن تذهب إليه وتسأله، وفي الوقت نفسه لا تستطيع أن تُغلِق الفصل الأخير من هذه الرواية. ومع ذلك يتعلّم المرء أن يعيش مع هذا العناء. يرتدي قناعَ القوة أمام الناس، ويبتسم، ويؤدّي مهامه اليومية كأن شيئًا لم يحدث. لكن في لحظات السكون، حين يهدأ كلّ ما حولك وتستعيد توازنك، يُفتَح بابُ المجهول على ما فيه. عندها تدرك أن أقصى درجات العجز ليست في فقدان من تحب، بل في معرفة أنه قريبٌ بقدر بضع خطوات، وبعيدٌ بقدر المستحيل، وأنك لن تستطيع أن تلتقي به في هذه الحياة، فتكتفي بأن تُلزِم نفسك أن تسلّم أمره لله، وتتمنى له الخير من بعيد، وتحمل ألمك الصامت بصبرٍ لا ينتهي.#باسم_الكربلائي #جليل_الكربلائي

حســـونــي الـــــســيـــد 📸✌
حســـونــي الـــــســيـــد 📸✌
Open In TikTok:
Region: IQ
Thursday 03 September 2026 19:08:18 GMT
2355
184
1
8

Music

Download

Comments

To see more videos from user @m_117h3, please go to the Tikwm homepage.

Other Videos


About