حين تتحدث شنقيط بصوت الشعر
ونحنُركبٌ من الأشرافِ مُنتظمٌ
أجلّذا العصرِ قدرًا دونَأدنانا
قدِ اتخذنا ظهورَالعيسِ مدرسةً
بها نُبيِّنُدينَاللهِ تِبيانا
لطالما سمعت هذين البيتين، منفردين حينًا، وضمن القصيدة كاملة حينًا آخر، وكان لهما في نفسي وقعٌ خاص؛ فهما من تلك الكلمات التي لا تُسمع فحسب، بل توقظ في الذاكرة صورًا بعيدة، وتستحضر تاريخًا تشعر معه بأنك أمام وطنٍ يتحدث عن نفسه.
فيهما تختصر شنقيط صفحةً من أعظم صفحاتها: رجالٌ جعلوا من الترحال طريقًا إلى العلم، ومن الصحراء فضاءً للمعرفة، ومن ظهور العيس مدرسةً متنقلة. لم تكن المحظرة جدرانًا تحدّها، بل كانت علمًا يسافر مع أهله، حتى غدت واحدةً من أبرز ملامح الشخصية العلمية لموريتانيا.
ولطالما حملت هذه القصيدة إليّأصواتَرجالٍ كانوا يحفظونها ويروونها، فيحكون معها سيرة البلاد وعلمائها، ويستعيدون زمنًا كانت فيه القصيدة تحفظ الذاكرة، والمحظرة تصون المعرفة. ومع رحيل كثير من أولئك الرواة، بقيت الكلمات شاهدةً على إرثٍ لا يزال حيًا في وجداننا.
لكن لهذه الأبيات اليوم وقعًا مختلفًا حين يؤديها خالد العليان، ذلك الصوت السعودي المعروف بحضوره وتأثيره في العالم العربي، وهو يرتدي الزي الموريتاني الأصيل، وعلى أديم موريتانيا الحبيبة.
هنا تتجاوز القصيدة حدود الأداء.
صوتٌ من خارج موريتانيا يحمل كلماتٍ وُلدت في هذه الأرض، ولباسٌ يستحضر هويتها، ومشهدٌ يجمع الحاضر بالماضي؛ فإذا بالكلمات تستعيد روحها، وإذا بشنقيط القديمة تبدو وكأنها تطل من بين الأبيات لتصافح موريتانيا اليوم.
وحين يقول:
«قدِ اتخذنا ظهورَالعيسِ مدرسةً
بها نُبيِّنُدينَاللهِ تِبيانا»
تعود إلى الخيال قوافل العلماء والطلاب، وهي تقطع الفيافي حاملةً الكتب والعلم، لتترك وراءها إرثًا ظل صامدًا أمام الزمن.
ولعل أجمل ما في هذا المشهد أن خالد العليان لم يؤدِّ شعرًا موريتانيًا فحسب؛ بل منح هذه الأبيات فرصةً لأن تصل إلى وجدانٍ عربي أوسع، وأن يرى الآخرون في كلماتها شيئًا من عظمة شنقيط، ومن قصة بلدٍ جعل من العلم هويةً، ومن المحظرة ذاكرةً، ومن الصحراء طريقًا إلى المعرفة.
فحين يُقال الشعر بهذا الصدق، لا تعود شنقيط مجرد قصيدة تُروى…
بل تصبح وطنًا يُسمع.
شيخنا وان
2026-09-07 22:26:11
1
To see more videos from user @selim5str, please go to the Tikwm
homepage.