@yemen_7.10: اليمن… وطنٌ يدفع ثمن لعبةٍ أكبر من أبنائه، وشعبٌ يدفع من أعصابه ودمه وأعمار أجياله ثمن صراعاتٍ لم يخترها. منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، واليمن ينزف بصمت… خمسة عشر عامًا ليست مجرد رقم؛ إنها أعمار أُهدرت، وأحلامٌ دُفنت، وبيوتٌ هُجّرت، وأسرٌ تشتتت، وأطفالٌ كبروا قبل أوانهم، وشبابٌ فتحوا أعينهم على الحرب فأصبح صوت الرصاص بالنسبة لهم جزءًا من ذاكرتهم. في اليمن، لم تعد المعاناة حدثًا استثنائيًا… بل أصبحت تفاصيل يومية للحياة. أبٌ يبحث عن لقمةٍ لأطفاله، وأمٌّ تخشى على أبنائها من الغد، ومريضٌ يعجز عن الوصول إلى العلاج، وأسرةٌ هجّرتها الحرب من بيتها، ومسافرٌ يقطع المسافات الشاقة بحثًا عن أبسط متطلبات الحياة، ونازحٌ يحمل ما تبقى من حياته في حقيبة صغيرة. وفي كل بيت تقريبًا قصة فقد… شهيدٌ رحل ولم يعد، جريحٌ يحمل الحرب في جسده، أمٌّ ما زالت تنتظر ابنًا لن يعود، وطفلٌ يحتفظ بصورة أبيه لأنه لم يعش معه ما يكفي ليحتفظ بذكرياته. والأكثر قسوة أن اليمن لم يُترك لأبنائه ليقرروا مصيره. تحولت البلاد إلى ساحةٍ لصراعات الآخرين؛ أموالٌ وسلاحٌ يتدفقان إلى أطراف النزاع، وكل طرف يُدفع ليقاتل الطرف الآخر، بينما اليمنيون وحدهم يدفعون الفاتورة من دمائهم وأمنهم ومستقبلهم. زُرعت الفتن بين أبناء الشعب الواحد، وشُجعت مشاريع الانقسام، ودُعمت أطرافٌ على حساب أخرى، وتدخلت قوى إقليمية ودولية، وكلٌ يبحث عن نفوذه ومصلحته… أما اليمن، فكان الخاسر الأكبر. وفي المقابل، كان هناك من أبناء اليمن من باعوا وطنهم، ورهنوا قرارهم، وفتحوا أبواب البلاد لمن أراد استخدامها ساحةً لمشاريعه. الخيانة لا تصبح وطنيةً مهما حاول أصحابها تزيينها بالشعارات. وهناك قوى خارجية لم ترَ في اليمن إلا موقعًا استراتيجيًا وميدانًا للصراع والنفوذ؛ فكلما اقترب اليمن من الاستقرار، ظهرت حساباتٌ جديدة تعيد إشعال الخلافات وتطيل عمر الأزمة. لكن السؤال الذي يوجع أكثر من الحرب نفسها: ماذا فعل هذا كله بجيلٍ كامل من اليمنيين؟ جيلٌ نشأ وهو يرى بلده يتغير أمام عينيه. جيلٌ لم يعرف اليمن كما عرفه آباؤه؛ لم يعرف الاستقرار، ولا الحياة الطبيعية، ولا مستقبلًا واضحًا. شاهد الموت والنزوح والانقسام والفقر، وتعلم مبكرًا أن عليه أن يكبر قبل أن يعيش طفولته. كم شابًا كان يمكن أن يصبح طبيبًا؟ كم مهندسًا؟ كم عالمًا؟ كم رجل أعمال؟ كم إنسانًا كان يمكن أن يبني وطنه؟ لكن سنوات الحرب سرقت من كثيرٍ منهم الفرصة قبل أن تبدأ. والسياسة التي تُدار فوق رؤوس اليمنيين لم تكن يومًا بريئة كما يُقال. سياسةٌ تُبقي الجراح مفتوحة، وتُبقي الأطراف متصارعة، وتمنح كل طرف ما يكفي ليستمر… دون أن تمنح اليمن ما يكفي ليخرج من هذا النفق. فإلى متى؟ إلى متى يبقى اليمن ساحةً مفتوحةً لمن يريد النفوذ؟ إلى متى يُستخدم اليمني وقودًا لحربٍ لا تنتهي؟ إلى متى يُموَّل السلاح بدل أن يُموَّل السلام؟ وإلى متى يُطلب من هذا الشعب أن يصبر، بينما تُسرق من عمره سنةٌ بعد سنة؟ نحن لا نريد أن ينتصر اليمني على اليمني. نريد أن ينتصر اليمن على الحرب. نريد وطنًا واحدًا، آمنًا، مستقل القرار، يحفظ كرامة أبنائه، ويعود فيه النازح إلى بيته، ويُدفن الشهيد بسلام، ويذهب الطفل إلى مدرسته بدل أن يتعلم أسماء الأسلحة. نريد أن يعيش الشباب الذين كبروا في زمن الحرب حياةً تليق بالأعمار التي سُرقت منهم. فالدم اليمني ليس رخيصًا… والشهيد اليمني ليس رقمًا… والنازح اليمني ليس خبرًا عابرًا… واليمن ليس رقعةً جغرافيةً تتصارع عليها القوى. اليمن وطن. واليمني إنسان. وهذا الشعب يستحق أن يعيش. قد يطول الليل، وقد تتعقد الطرق، وقد يتأخر الفرج… لكننا نؤمن أن الله لا يضيع صبر من صبر، ولا دم من قُتل مظلومًا، ولا دعاء أمٍ رفعت يديها وهي تنتظر الفرج. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الصَّابِرِينَ﴾ اللهم ارحم شهداء اليمن، واشفِ جرحاه، وردّ النازحين إلى ديارهم، واحفظ أطفاله وشبابه، وأطفئ نار الفتنة، واجمع أبناءه على كلمةٍ سواء، واكتب لهذا الوطن سلامًا دائمًا لا هدنةً مؤقتة. يا يمن… تعبنا من أن تكون ساحةً لغيرك. آن لك أن تكون وطنًا لأبنائك. آن لليمن أن يعيش… لا أن يبقى فقط على قيد الحياة.