@_karam.art: هو لا يبدأ بالكلام لأنه يعرف أن الكلام في لحظة الانكسار الحقيقي كذب ، المرأة لا تتكلم، تئن. جعل الآهات الثلاث هي السلم الموسيقي كله. الآه الأولى: آه الدهشة، كمن تلقّت طعنة ولم تستوعب بعد. الآه الثانية: آه الفهم، أعمق، أطول، نزلت من الحلق إلى الصدر. الآه الثالثة: آه الاستسلام. لم تعد صرخة، صارت تنهيدة رجلٍ يحتضر ورضي. ثم يرمي الجملة التي هي ليست جملة، بل حكمة مقبرة: "الشكوى لله.. مش للبشر" هنا عبقرية بليغ الكاتب قبل الملحن. هو لم يجعلها تشكو منك. هو جعلها ترفع قضيتها من محكمة الأرض كلها. أنت لم تعد خصماً، أنت أصبحت قدراً. والقدر لا يُعاتب، يُحتمل. ولحنها؟ لحنها منخفض، ماشي على الأرض، كأنه امرأة تلم حقيبتها وتقرر ألا تشرح لأحد لماذا تبكي. الشكوى لله.. لأن البشر ثم يأتي المقطع الذي لا يُحتمل، المقطع الذي بسببه لا تموت هذه الأغنية أبداً: "عسل ومر انت.. وفاء وغدر انت.. وحب العمر انت" بليغ هنا لا يصف رجلاً. هو يصف إدماناً. كيف تلحن التناقض؟ كيف تضع في جملة واحدة السم والترياق؟ اسمع ما فعله: لم يفصل "عسل ومر". غنّاهما في نفس النفس، بنفس المقام، كأنهما كلمة واحدة. لأنها في وعيها هكذا، لا تستطيع أن تفصل عسله عن مره. هو عسل لأنه مر، ومر لأنه عسل. هو وفاءه هو نفسه غدره. لو كان غادراً فقط لهان، ولو كان وفياً فقط لاطمأنت. لكنه الاثنان معاً، فصار "حب العمر". وهنا يجنّ بليغ في التكرار. يكررها ثلاث مرات، بلا ملل. لماذا؟ لأنه لا يكررها ليحفظها الجمهور. يكررها لأن المرأة في لحظة انهيارها لا تقول الجملة مرة واحدة وتمشي. تظل تعيدها لنفسها كالمجنونة: "عسل ومر انت.. وفاء وغدر انت.." كأنها تحاول أن تفهم، أن تحل اللغز، أن تقنع قلبها بما رفضه عقلها. التكرار هنا ليس إلحاحاً غنائياً، هو دوران في حلقة مفرغة. ثم يأتي الاعتراف الأقسى، الاعتراف الذي لا تقوله إلا امرأة أحبت بصدق حتى فقدت احترامها لنفسها: "كدبة.. كدبة.. انت كدبة.. لكن أحلى كدبة بواسطتها للزمان" يا الله على كلمة "كدبة" كيف لحنها بليغ. لم يجعلها شتيمة. جعلها دلع. رققها. "كدبة" بصوت ميادة لا تخرج قاسية، تخرج مدللة، كأنها تقول "يا كذابي الحلو". هو كذب عليها، نعم، لكن كذبه كان أجمل من صدق كل الرجال. كذبه هو الزمن الذي كانت تريده، هو الرواية التي أرادت أن تعيش فيها حتى لو كانت مزيفة. ولأنه كذبة حلوة، فلا بد أن يكون عقابها مراً: "رقة.. رقة.. انت رقة.. لكن شوك ودمعة وبحر من الأحزان" لاحظ كيف بليغ يلحن كلمة "رقة". يجعل صوت ميادة يلمس الحرير. ثم فجأة، دون مقدمات، يكسر الحرير بشوك. "شوك ودمعة". اللحن نفسه يشوك. يرتفع فجأة كشوكة دخلت في القلب. و "بحر من الأحزان" لا يغنيها بليغ كبحر، بل كغرق. يطيلها، يمدها، يجعل النفس ينقطع فيها، فتشعر أنت كمستمع أنك لا تسمع عن البحر، أنت تغرق فيه معها. ثم تأتي الفضيحة الكبرى، لحظة انكشاف الذات: "حبيبي كان هنا.. مالي الدنيا عليه.. الحب والهنا حبيبي يا أنا.. يا أغلى من عينيه.. نسيت مين أنا" بليغ هنا لم يعد ملحناً، صار قاتلاً محترفاً. هو جعل ميادة تنسى اسمها. "نسيت مين أنا". كيف تلحن امرأة نسيت من هي؟ جعل اللحن يفقد ذاكرته هو أيضاً. يرجع لنفس الدائرة، لنفس الجملة: "أنا الحب اللي كان.. اللي نسيته قوام من قبل الأوان.. نسيت اسمي كمان.. نسيت يا سلام على غدر الإنسان" كرر "نسيت" حتى صارت هي النغمة الوحيدة الباقية. المرأة التي كانت "ماليه الدنيا حب وهنا" أصبحت بلا اسم. الحب لم يأخذ منها حبيبها فقط، أخذ بطاقتها الشخصية. مسحها. وميادة؟ هي لا تغني "نسيت يا سلام على غدر الإنسان" كعتاب. هي تهمسها كاكتشاف متأخر، كمن فتحت دولابها بعد سنوات ووجدت رسالة قديمة وفهمت كل شيء. لا صراخ، لا نواح. فقط ذهول بارد: "يا سلام.. معقولة؟ الإنسان يغدر كل ده؟" ويختم بليغ الأغنية كما يختم العزاء: "والله زمان يا هوى زمان" لا يختمها بنهاية موسيقية، يختمها بانين . يكرر "والله زمان" كأنها ستارة تُسدل ببطء على مسرح فارغ. الهوى نفسه صار ذكرى. صار "زمان". نحن لا نبكي على الرجل، نحن نبكي على الهوى نفسه الذي مات. عظمة بليغأنه لم يلحن قصة حب. هو لحن ما بعد الحب.. تلك اللحظة التي تجلس فيها امرأة وحدها، وتكتشف أنها تحب رجلاً لا يستحق، وتعرف أنه كذبة، وتعرف أنه غدر، وتعرف أنه شوك وبحر أحزان.. ومع ذلك.. ومع ذلك.. تقول من أعمق نقطة في قلبها: أحلى كذبة.. وحب العمر انت. شكراً لاهتمامكم ✍️ كرم الرسام #ارسم الفنانة الكبيرة #ميادة الحناوي بأقلام الفحم وبودرة الفحم على الورق #كرم_رسام_الزمن_الجميل #كرم_الرسام💎