@bachir.1990: في زمنٍ كانت فيه رمال شبه الجزيرة العربية تبحث عن هويتها الاقتصادية وسط مخالب الاحتكارات الأجنبية، كان هناك شابٌ أسمر يحمل كبرياء الجبال القادمة من سكيكدة الشامخة بالجزائر، يُدعى محمود حمرا كروها، يحمل في عقله دكتوراه في الاقتصاد من جامعة السوربون العريقة، وفي قلبه عقيدة الثورة التحريرية التي علمت بلاده كيف تنتزع سيادتها من المستعمر. هذا الفتى الذي وُلد عام 1938 في بلدة أولاد عطية، تدرج سريعاً ليكون العقل المدبر للتخطيط في شركة "سوناطراك" الفتية، ممتصاً عبقرية بناء الدولة التي تفجرت بعد استقلال الجزائر. في عام 1969، كانت إمارة أبوظبي تعيش مخاضاً عسيراً، حيث كان حاكمها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان يتطلع بجرأة إلى بناء كيان نفطي وطني يكسر قيود الشركات البريطانية والفرنسية التي كانت تلتهم خيرات الأرض. أدرك الشيخ زايد أن المعركة لا تحتاج إلى مال، بل إلى "عقل سيادي"، فلم يجد ملاذاً أفضل من الجزائر، القلعة التي أممت محروقاتها وتحدت القوى العظمى. اتصل الشيخ زايد بالرئيس الجزائري هواري بومدين طالباً الدعم، وفي خطوة تعكس عمق التضامن العربي آنذاك، أشار بومدين بسبّابته نحو مهندس التخطيط العبقري كروها، الذي لم يكن يتجاوز من العمر واحداً وثلاثين عاماً، قائلاً له: "اذهب واصنع لهم مجداً نفطياً". حزم محمود كروها حقائبه وطار إلى الخليج، ولم يكن بمفرده، بل كان يقود بعثة النخبة المكونة من حوالي عشرين مهندساً وإطاراً جزائرياً من خيرة عقول سوناطراك. هناك، فوق تلك الرمال التي لم تكن تعرف سوى الصيد والغوص، شمّر الرجال عن سواعدهم، ووضع كروها بعبقريته الفذة الهياكل الإدارية، التنظيمية، والقانونية الأولى، ليُعلن في عام 1971 عن ولادة "شركة بترول أبوظبي الوطنية" المعروفة اليوم باسم "أدنوك"، ليكون هو مؤسسها الحقيقي ومديرها العام الأول والفعلي. لم يكن مجرد موظف كبير، بل كان المفاوض الشرس الذي خاض معارك طاحنة في الغرف المغلقة لانتزاع حصص الإنتاج والتوزيع لصالح حكومة أبوظبي، ملقناً الكوادر المحلية أسرار السيادة الطاقوية وتسيير براميل النفط. على مدار أكثر من خمس عشرة سنة، قاد كروها "أدنوك" من نجاح إلى نجاح، محولاً إياها إلى عملاق اقتصادي نقل الإمارة الصغيرة إلى مصاف القوى المالية العالمية، بينما كان يشرف بنفسه على تكوين وتدريب أجيال من القيادات الإماراتية، ومنهم من أصبح وزيراً للبترول لاحقاً مثل مانع سعيد العتيبة. لكن الرياح في أروقة السياسة والمال لا تأتي دائماً بما تشتهيه سفن الأوفياء؛ ففي عام 1987، وحين اشتد ساعد الشركة واستغنت بفضل التمكين الجزائري عن صانعها، بدأت خيوط التهميش والعزل تلتف حول المهندس الفذ.تعرض محمود حمرا كروها لعزل ممنهج ومدروس من قِبل السلطات التنفيذية في أبوظبي، في واحدة من أقسى صور الجحود ونكران الجميل التاريخي. أُجبر الرجل على تقديم استقالته وتصفية أعماله بشكل مفاجئ ومهين، ولم يتوقف الأمر عند حدود الإبعاد الجسدي، بل امتد ليتخذ شكلاً من أشكال الطمس المتعمد، حيث تم محو اسمه عمداً من السجلات الرسمية والتاريخية لشركة أدنوك، وجرى إسقاط أي أثر لجهوده وجهود البعثة الجزائرية في أدبيات التأسيس الإماراتية، وكأن العملاق النفطي نبت من فراغ دون مساعدة ذلك العقل الذي هندس جيناته الأولى. عاد البطل الصامت إلى وطنه الجزائر مكسور الجناح، يحمل خيبة تلو الأخرى، حيث داهمه المرض والهمّ، وأصيب بنوع من الشلل النصفى، متأثراً بجحود ذوي القربى وفقدانه المفجع لابنه. وفي العشرين من أوت عام 1997، انطفأت شعلة العبقري محمود حمرا كروها في فرنسا عن عمر ناهز تسعة وخمسين عاماً، ورحل في صمت مطبق بعيداً عن أضواء الإعلام ومحافل التكريم، تاركاً خلفه إمبراطورية طاقة تدر مليارات الدولارات على أرضٍ أنكرت كتابة اسمه في تاريخها، بينما ظل اسمه محفوراً بحبر الفخر في ذاكرة الأحرار كأحد أعظم بناة النهضة النفطية العربية. #تحياالجزائر #الجزائر #الجزائر🇩🇿 #الجيش_الوطني_الشعبي🇩🇿🇩🇿💪♥️