@ummassos: للوطن في الروح مقامٌ لا تبلغه الخرائط؛ فهو ليس التراب الذي تمشي عليه الخطى، بل ذلك الأثر الخفي الذي تمشي عليه الروح حين تتعب من كثرة الجهات. هو المعنى الذي وُضع في القلب قبل أن نعرف أسماء الأشياء؛ كأن في أعماق كل إنسان غرفةً لا يفتح بابها إلا لوطنه، وحين يدخلها، يسكت فيه شيءٌ طالما أتعبه الكلام. الوطن ليس ما نعود إليه بعد الغياب، بل ما لا نغادره وإن ابتعدنا. نحمله في الطريقة التي نطمئن بها، في الذاكرة حين تستدعي دفئها، وفي ذلك الحنين الغامض الذي لا يطلب شيئًا سوى أن يبقى حيًا. وكم يشبه الوطن قلبًا كبيرًا؛ لا يسأل أبناءه كم أخذوا منه، ولا يحصي عليهـم ما تركوا وراءهم، بل يمنحهم فسحةً من الأمان ليكونوا كما هم، ثم يظل في داخلهم كيقينٍ لا يحتاج إلى برهان. وحين تكبر بنا الأيام، نكتشف أن الوطن لم يكن يومًا مكانًا نحبه فحسب؛ كان الجزء الذي حفظ فينا قدرتنا على الحب، واللغة الأولى التي فهم بها القلب معنى الأمان، والظل الذي لم ننتبه إلى وجوده إلا حين مررنا طويلًا تحت شمس الغياب. لذلك، كلما ذكرت الوطن، لا أشعر أنني أذكر أرضًا؛ أشعر أنني ألمس شيئًا في أعماقي كان ينتظرني منذ البداية. فبعض الأوطان نعيش فيها، وبعضها يعيش فينا؛ أما الوطن الذي يشبه الروح، فلا يغيب… حتى حين تغيب عنه. ام السوس 🌸