@j.s.m.27: قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ تأمل هذا التعبير القرآني الدقيق: "تلقونه بألسنتكم". لم يقل: تسمعونه بآذانكم. وكأن المشكلة لم تكن في وصول الخبر إلى الإنسان، بل في أن الخبر انتقل من لسان إلى لسان قبل أن يمر على العقل، وقبل أن يخضع للتثبت والسؤال. سمع شيئًا، فنقله. قيل له كلام، فصار هو لسانًا جديدًا له. لم يسأل: هل هذا صحيح؟ ما مصدره؟ هل أعرف الحقيقة كاملة؟ هل يجوز لي أن أنقله؟ وماذا لو كان باطلًا؟ وهنا تكمن الخطورة. فالإنسان قد لا يكون هو الذي اخترع الكذبة، لكنه قد يصبح طريقًا لانتشارها. وقد لا يكون هو صاحب الاتهام الأول، لكنه يمنحه حياة جديدة حين يردده. وقد يقول لنفسه: "أنا فقط نقلت ما سمعت". لكن القرآن لا يجعل مجرد النقل عذرًا حين يقول: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ﴾ المعيار ليس فقط: هل أنت الذي اخترعت الكلام؟ بل: هل عندك علم بما تقول؟ ولهذا فهناك فرق كبير بين أن يصل الخبر إلى أذنك، وبين أن تمنحه لسانك. ليس كل ما تسمعه يحق لك أن تقوله. وليس كل ما يصلك يستحق أن تعيد نشره. وليس كل ما يتداوله الناس أصبح حقيقة. وفي زمن الرسائل السريعة ومقاطع الفيديو والمنشورات وإعادة الإرسال، أصبح الإنسان قادرًا خلال ثوانٍ أن يحمل خبرًا إلى مئات الناس. وهنا تصبح الآية أكثر حضورًا في حياتنا: قبل أن تضغط "إرسال"، اسأل نفسك: هل أنا أعلم حقيقة ما أنشر؟ أم أنني أصبحت لسانًا لخبر لا أعرف حقيقته؟ فكم من سمعة هُدمت بخبر منقول. وكم من بيت اضطرب بسبب كلمة غير متثبت منها. وكم من إنسان ظُلم لأن الناس تناقلوا الكلام قبل أن يعرفوا الحقيقة. والأخطر أن الإنسان قد يستصغر ذلك. ولهذا ختمت الآية: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ قد تراه رسالة عابرة. وقد تراه تعليقًا صغيرًا. وقد تراه مجرد نقل. لكن ميزان الله لا يقيس الكلمات بحجمها في أفواهنا، بل بما تحمله من حق أو باطل، وعدل أو ظلم، وأثر في حياة الناس. لذلك: لا تكن لسانًا لخبر لا تعلم حقيقته. دع الخبر يتوقف عندك حتى تعرف. فأحيانًا يكون أعظم موقف أخلاقي تجاه الكلام… أن لا تنقله.