@midnight.sun5521: ‏حتى ولو اتقنت مائة لغة فأنت ابكم بجوار من لا يفهمك ‏اللغة ليست أصواتًا تُنطق، ولا قواعدَ تُحفظ، ولا مفرداتٍ تُستعرض. اللغة جسرٌ ممتدٌّ بين عتمتين: عتمتك وعتمة الآخر. فإن لم يوجد في الضفة الأخرى من يمدّ يده، بقي الجسر معلقًا في الفراغ، وصرتَ وحدك تعبر إلى لا أحد. تتكلم، فتصل الكلمات إلى أذنٍ تسمع، لكنها لا تصل إلى وعيٍ يفهم. وهنا تكتشف أن السمع شيء، والإنصات شيء آخر. وأن الفهم ليس ترجمة مفردات، بل سكنى في نفس العالم الرمزي، ومشاركة في تأويل الوجود. ‏قد تحفظ قواميس الأرض، وتضبط المخارج، وتجمع البلاغة، وتصوغ الجمل كما يصوغ الصائغ الذهب. ثم تجلس أمام من تحب، وتكتشف أن كل هذه اللغة لا تكفي لجملة واحدة: أنا هنا. أنا أتألم. أنا أحتاج أن تراني. تتكلم، فيعود صوتك إليك محمّلًا بصدى غريب، كأنك تتحدث إلى جدار لا يعرف اسمك. تشرح، فيتحول شرحك إلى ضجيج. تفتح قلبك، فيُقرأ قلبك كسوء فهم. وهنا لا تكون عاجزًا عن الكلام، بل عاجزًا عن أن تكون مفهومًا. والعجز الثاني أقسى، لأنه لا يشبه الصمت، بل يشبه المنفى. ‏الإنسان لا يتوق إلى من يفهم كلماته فقط، بل إلى من يفهم ما وراءها: الهوامش، الترددات، الفواصل، ما لم تقله لأنك خفت، وما قلته لأنك لم تحتمل السكوت. الفهم ليس حدثًا لغويًا، بل حدث وجودي. أن يفهمك أحدهم يعني أن يشاركك في تأويل العالم، ولو للحظة. أن يسمع نبرتك ويقول: أعرف ما تعني. تلك اللحظة ليست تواصلًا، بل اعترافٌ بأنك لست وهمًا. أنك موجود في وعي آخر، لا كصوتٍ عابر، بل كمعنى. ‏ولهذا، مائة لغة ليست غنى، بل مائة باب إلى الغربة إن لم يوجد من يفتح لك بابًا واحدًا. أن تتقن لغات العالم وأنت غير مفهوم يشبه أن تملك مفاتيح كل المدن ولا تملك بابًا واحدًا تدخله. تصبح الكلمات حجارة في فمك، والبلاغة ثوبًا واسعًا على جسد متعب، والذكاء وحدةً إضافية. كلما زادت قدرتك على التعبير، زاد ألمك حين لا يجد تعبيرك من يستقبله. لأن الألم لا يقاس بعدد الكلمات، بل بعدد الأصداء. ‏إننا كائنات نصية، نكتب أنفسنا أمام الآخرين، وننتظر أن يقرأنا أحدهم لا ليصحح أخطاءنا، بل ليعترف بأننا نستحق أن نُقرأ. من لا يفهمك لا يرفضك بالضرورة، لكنه يتركك خارج لغته، خارج تاريخه، خارج حساسيته. وحينها تصير الغرابة ليست في كونك غريبًا عن الناس، بل في كونك غريبًا حتى عن نفسك، لأن صورتك في مرآة الآخر لا تشبهك. ‏ثم تتعلم أن الفهم أندر من الحب، وأصعب من الاتفاق. يمكن أن يحبك أحدهم وهو لا يفهمك. ويمكن أن يتفق معك وهو لا يفهمك. ويمكن أن يمدحك وهو لا يفهمك. أما أن يفهمك، فهو أن يلمس فيك ما لم تلمسه الكلمات، أن يسمع صمتك كجملة كاملة، أن يرى في عينيك المعنى قبل أن تنطق. لذا، حتى ولو أتقنتَ مائة لغة، فأنت أبكم بجوار من لا يفهمك. وربما لغة واحدة، بنبرة صحيحة، أمام من يفهمك، تجعلك أكثر فصاحة من كل خطباء الأرض.

midnight.sun552
midnight.sun552
Open In TikTok:
Region: SA
Monday 28 September 2026 15:13:28 GMT
20759
1017
22
86

Music

Download

Comments

nooral1_1
نور :
كيف تكتبين كذا ماشاء الله؟ ابغى اعرف كيف يكتب الشخص كذا هل بسبب كثيرة الإطلاع أم هي هبة من الله ؟
2026-10-01 21:10:27
2
mhi_225
MHI-22 :
كل كلمة في المقال تحمل معنى عميق.. فعلاً ماجدوى أن تعرف لغات العالم كلها إذا عجزت لغة واحدة عن بلوغ قلب من يعنيك ومن لا يريد أن يفهمك.
2026-09-30 13:47:29
3
m.ae62
مريم :
يصير اخذ الي كتبتي وانشره بحسابي ؟
2026-10-04 00:39:45
0
usebaja
ريـكـوツ :
اتمنى انك تنشريه لو مافي مانع😔
2026-09-29 16:16:11
0
ohud.18
حبر الحيـاة :
"اللغة جسر ممتد بين عتمتين: عتمتك وعتمة الآخر. فإن لم يوجد في الضفة الأخرى من يمد يده، بقي الجسر معلقًا في الفراغ، وصرت وحدك تعبر إلى لا أحد." ترجمت ما يحدث بعد أن نستنفد محاولاتنا للوصول، بعد أن لا تفلح محاولاتنا لمدّأيدينا إلى عتمة الاخر أو حتى حين نعجز عن استقبال اياديهم الممدودة نحونا.. كيف نشعر أن حروفنا تلاشت في فراغ صامت، وأننا كنا نحدث أنفسنا طوال الوقت.. فنكتب.. نكتب لأننا نستطيع أن نمد يدنا إلى عتمتنا من خلال الحروف..
2026-09-29 20:33:58
3
fofa.4h
𝓕𝓪𝓻𝓪𝓱 :
من أروع ما قرأت
2026-10-03 00:36:57
0
girgova23
Náďįâ 🌸 :
😭
2026-10-02 02:29:37
0
zyzo108
zyzo :
إبداع
2026-10-02 20:35:06
0
user6246070860281
🪽ميار 🇮🇶 :
2026-10-03 06:25:23
0
user4951830952367
محمد عبده آل نمص :
😒
2026-10-01 08:00:32
0
midnight.sun5521
midnight.sun552 :
💔💔💔😞😞😞
2026-09-28 15:13:33
0
usebaja
ريـكـوツ :
لماذا يُصرّالأهل دائمًا على أن يُفسدوا ما بين قلبين؟ ولماذا يظنون أن من حقهم أن يختاروا لنا شريك حياتنا، وأن يجبرونا على ترك من أحببناه بصدق؟ لم يكن النصيب هو من فرّق بين تلك القلوب، بل كان الأهل هم من فرّقوا بينها ، تحت ستار مقولة: نحن نعرف مصلحتك أكثر منك. فلماذا لا تتركون لنا حق اختيار من سيكمل الطريق معنا؟ من سيشاركنا أيامنا، ويسكن أرواحنا، ويكون ملجأنا حين تضيق بنا الحياة؟ لماذا يكسر الأهل قلبين معًا، ثم يجبرونهما على العيش مع شخص غريب، وكأن المشاعر تُمحى بأمر، وكأن القلب يستطيع أن يحب من اختاروه له؟ فلماذا تقتلون فينا شيئًا أحببناه بصدق، ثم تطلبون منا أن ننسى وكأن شيئًا لم يكن؟ لماذا تجعلوننا نعيش بقية أعمارنا مع شخص لم يختره قلبنا، ونحمل في داخلنا حسرة من أحببناه ولم نستطع أن نكمل معه؟ اتركوا لنا حق الاختيار، فالحياة التي سنعيشها نحن، والقلوب التي ستتألم نحن، والندم الذي سنحمله نحن. فلا تكونوا أنتم السبب في أن يعيش قلبان يحبان بعضهما غريبين عن بعض، بعد أن كان كلٌّ منهما وطنًا للآخر. حًــــگآيَـــــةّ:، ريَــــگوٌوٌوٌ ツ
2026-09-29 16:16:00
4
To see more videos from user @midnight.sun5521, please go to the Tikwm homepage.

Other Videos


About