@633_f: تلك السجائر التي أحرقها واحدة تلو الأخرى ليست مجرد تبغ يُستملك، بل هي أعمارٌ كاملة تتبخر في الهواء، ورسائل صامتة أبعث بها إلى سماء لا تجيب. منذ أن وقع غيابك، تحول الصمت في صدري إلى ضجيج لا يطاق. الفراق ليس مجرد لحظة نودع فيها من نحب ونمضي، بل هو انتزاع تدريجي للروح من مكانها الأصلي، ولعنة تلاحق الفكر في صحوه ومنامه. كيف للشوارع أن تبدو هكذا خالية بعدك؟ وكيف للأشياء التي كانت تتنفس بوجودك أن تغدو أشباحاً باردة تُلاحقني في كل زاوية؟ لقد تعلمتُ بعد رحيلك لغة جديدة؛ لغة الدخان والرماد. أقف في عتمة الليالي الطويلة، أوقد السيجارة تلو السيجارة، لا لأبحث عن لذة أو راحة، بل لأنني أجد في اختناق صدري بالدخان شبيهاً لما يحدث في أعماقي. مع كل شهيق، أستحضر ذكرياتك التي تشتعل داخل قلبي وتكويه، ومع كل زفير، أحاول طرد هواءٍ يرفض الدخول إلى رئةٍ لم تعد تعرف كيف تتنفس الحياة بدونک. صرتُ أرقب هذه اللفافة الصغيرة بين أصابعي، تُحرق نفسها بنفسها لتنتهي في لحظات، وأتساءل: أيُّنا أسرع احتراقاً؟ هي التي تنتهي في دقائق، أم أنا الذي أحترق ببطء شديد منذ اليوم الأول للفراق؟ الدخان يتصاعد ملتفاً حوله، كأنه يُشكل ملامح وجهك الذي يأبى أن يغادر مخيلتي، يراوغني، ثم يتلاشى في العدم تماماً كما تلاشت كل الوعود بالأبديّة. الحزن الذي استقر في داخلي لم يعد شعوراً عابراً أو غيمة تزول مع الأيام؛ إنه بيتٌ بنى جدرانه من الخيبة، وستائره من السواد، ومفاتيحه ضاعت في لحظة الوداع الأخيرة. أصبحتُ أشعر بأني غريب عن العالم، أتحرك بين الناس كظل، أبتسم بآلية لا روح فيها، وأداري انكسار صوتي بضحكات زائفة، حتى إذا ما خلوتُ بنفسي وأغلقت الأبواب، خلعَت الروح أقنعتها وتوسّدت الرماد. إن أشد ما يؤلم في هذا الفراق ليس الغياب بحد ذاته، بل القوة التي نحتاجها لنبدو بخير أمام الآخرين بينما ينهرس كل شيء في الداخل. هو ذلك الشعور القاتل بأن الأيام تمضي، والأرض تدور، والعالم يحيا، بينما زمني أنا قد توقّف عند تلك اللحظة التي التفتّ فيها ولم أجدك. أمضي ليلي أراقب انطفاء السجائر في المنفضة الممتلئة، وأدرك مع كل فجر جديد أن الغائبين لا يعودون لمجرد أننا نمرض بحبهم، وأن الحزن كالدخان تماماً... نراه يملأ الفراغ، يلتف حول أعناقنا، يقتلنا ببطء، ثم يتشتت ولا يترك خلفه إلا الركام. #باسم_الكربلائي #جليل_الكربلائي