@tr__x23: حين يقال عُمِرَتِ البِلَادُ بِحُبَّ الْأَوْطَان فإن أول ما يتبادر إلى الذهن الساخر هو تلك المفارقة الكبرى بين جدران تبنى بالخطابات وتنهار بالواقع، إذ يبدو أننا تخصصنا في إعمار الأوطان بالقصائد والمديح الشفهي بينما نترك الطوب الحقيقي يتأكل تحت وطأة الإهمال والانتهازية، فالفلسفة العميقة هنا لا تكمن في العاطفة المجردة التي يملكها حتى من يسرق مقدرات بلده ويدعي في الليل أنه يذوب في هواها، بل في كون الحب مسؤولية مدنية شاقة تبدأ من التوقف عن رمي القمامة في الشارع وتنتهي بإرساء العدالة، ومن المضحك المبكي أن نرى شعوباً تملك مخزوناً من الأناشيد الوطنية يكفي الإعمار كواكب مجاورة لكنها لا تزال تنتظر معجزة خارجية لتصلح لها شبكة الصرف الصحي، فالوطن في وعي الكثيرين بات يشبه فندقاً رديء الخدمة يوسعه الجميع شتائماً في السر بينما يرفعون أعلامه في العلن خوفاً أو رياء، والبلاد لا تعمر بالحب الذي يكتفي بالبكاء على الأطلال والتغني بأمجاد الأجداد بينما الحاضر يغرق في الخراب الصامت بل تعمر بذلك الانتماء الواعي الذي يحول العاطفة إلى منجل يحرث الأرض ومطرقة تبني الجدار و قانون صارم يحمي الضعيف من تغول القوي، ولعل السخرية الأسمى تتجلى في أولئك الذين ينتظرون أن تمنحهم البلاد كل شيء دون أن يقدموا لها سوى النحيب متناسين أن الوطن فكرة تولد في سلوك الإنسان أولاً فإذا كان المواطن خراباً من الداخل استحال على أي أرض أن تثمر عمراً أو حضارة مهما رددت من شعارات.