@adel999046577: في أحد أيام شهر شباط الباردة من عام 1987، كانت الحرب العراقية الإيرانية تمر بأشرس فصولها. المدافع لا تكف عن الهدير، والأنباء القادمة من الجبهة تحبس الأنفاس، وتحديداً من شرق البصرة حيث كانت "معركة نهر جاسم" الطاحنة تلتهم الأخضر واليابس. في عصر ذلك اليوم، كنت أسير في شوارع قريتنا حين صادفني أحد أقاربنا، وكان يمشي برفقة زوجته وقريبة له مغادرين منزلنا والوجوم يكسو وجوههم ( توفو جميعا رحمهم الله ). لم أعر الأمر اهتماماً كبيراً في البداية، لكن ما إن اقتربت من البيت حتى تناهى إلى مسامعي صوت بكاء ونحيب يمزق القلوب.. إنه صوت أمي (رحمها الله). هرعتُ إلى الداخل راكضاً، والقلب ينبض رعباً: " يمه، شبيج؟ خير شصار؟". نظرت إليّ وعيناها مغرورقتان بالدموع، وقالت بنبرة مخنوقة: "قريبنا اللي لا كاك بالطريق جابنا خبر مو زين .. يكول إن (لافي) بطل وما يخاف .. (وقتها كان برتبة ملازم ) وأنه مجروح بالمعركة بالأرض الحرام!". "الأرض الحرام".. تلك البقعة الحرجة التي تقع بين نيران جيشين متحاربين، حيث لا يملك الداخل إليها فرصة للنجاة، ولا يخرج منها أحد حياً. في تلك اللحظة، شعرت بأن الأرض تدور بي، تلاشت الأصوات من حولي وتجمدت الدماء في عروقي. كنت الوحيد من إخوتي في المنزل، لا أعرف ماذا أفعل ولا كيف أتصرف أمام هذا الخبز الصاعق، لكن صرخة أمي قطعت ذهولي وهي تحاول التماس أي أمل وقالت "روح بسرعة.. "أخذ السيارة وجيب (شافي) من الحاوي، وروحو دورو لأخوكم!" لم أضيع ثانية واحدة. ركبت السيارة وذهبت مسرعاً، وفي طريقي اصطحبت الأخ "سعد أحمد شهاب" ليكون عوناً لي. انطلقنا مسرعين نحو "رأس الجبل" من جهة "درب الغنم". كانت وعورة الطريق تجعل القيادة صعبة للغاية لكن الخوف على لافي يجعلني لا أشعر بأي شئ . أوقفنا السيارة حيث انتهى بنا الطريق الصالح للمرور. كانت الساعة تشير إلى الثالثة والنصف عصراً تقريبا . وقفنا على مشارف الجبل ونادينا بأعلى أصواتنا، شاقين صمت المكان، على "شافي" الذي كان في إجازة من وحدته العسكرية ويقضي معضمها في أرضنا الزراعية هناك. التقط شافي أصواتنا المذعورة ، ومن بعيد .. رأيناه يركض .. ويركض بكل ما أوتي من قوة. قطع مسافة طويلة جداً في فترة زمنية وجيزة، متسلقاً صخور الجبل الوعرة كأنه يسابق الموت. ولما وصل إلينا، كان ينفث أنفاسه بصعوبة، وعيناه تملأهما رجفة الخوف والرجاء، سألني بصوت متهدج: "احجِ الصحيح.. لافي مستشهد؟". نظرت في عينيه وأقسمت له بالله غليظاً: "والله يكولون مجروح ! وأمي دزتني حتى نروح ندور له". عدنا إلى البيت بسرعة جنونية رغم الطرق المتعرجة والوعرة. وعند وصولنا، كان المشهد مهيباً؛ فناء البيت غصّ بالأقارب والجيران الذين أجتمعو لمؤازرتنا. حتى أولئك الذين كانت بيننا وبينهم خصومات وزعل قديم، تلاشت خلافاتهم وتبخرت أمام هول الفاجعة، فالدم واحد والمصاب واحد. تلاقت الآراء واستقر القرار: يجب أن نذهب فوراً إلى البصرة، وتحديداً إلى وحدته العسكرية للسؤال عنه ومعرفة مصيره. انطلقنا في السيارة؛ أنا، والحاج شافي (الذي ارتدى زيه العسكري وكان برتبة نقيب آنذاك)، والأخ "أبو رسلان" الذي تسلم قيادة السيارة. وبينما كنا لا نزال في حدود القرية نسرع نحو المجهول، صادفتنا وبعكس اتجاهنا سيارة أجرة (تكسي) قادمة من اتجاه بغداد. راقبها أبو رسلان عبر المرآة لثوانٍ، ثم قال بنبرة حدسية: "السيارة مالت عالقرية خلونا نرجع وراها يجوز جابتلها عسكري" . استدرنا بالسيارة خلفها مسرعين والشكوك تنهش صدورنا. وبعد برهة قصيرة، رأيناها تقف تماماً أمام بيتنا، والناس يحيطون بها من كل جانب في جلبة غير عادية. انحبست أنفاسنا والسيارة تتوقف.. فُتح الباب، ونزل منها... (لافي)! كان حياً! إحدى يديه ملفوفة بالضماد الأبيض بالكامل حتى كتفه، ومربوطة بوشاح من القماش يلتف حول رقبته. في تلك اللحظة، انهار جدار الحزن؛ انطلقت الزغاريد الشجية، واختلطت دموع الفرح بدموع الصدمة، واحتشد معضم القرية وهم يحتضنونه ويحتفون بعودته من الموت. تحول بيتنا في لحظة من شبه مأتم عزاء إلى كرنفال من الفرح والبهجة. وعندما أسدل الليل ستاره، اجتمعنا حوله في هدوء المساء، أخذ لافي يروي لنا تفاصيل هول تلك المعركة الطاحنة التي ترك نيرانها مستعرة خلفه. قصّ علينا كيف كانت الألوية العسكرية تدخل إلى خطوط التماس المباشرة بين الجانبين وكيف كانت تباد بالكامل من الطرفين في ملحمة مرعبة من القصف والدمار، وكيف كتب الله له عمراً جديداً ليخرج من قلب "الأرض الحرام" ويعود إلى أحضان عائلته التي كادت تفقده إلى الأبد