(( فلسفة القرب وعثرات الإفراط)) عندما نحاول أن نكون الأقرب لهم نصبح الأقل قيمة لديهم، أيُعقل أننا أفسدناهم بكثرة الاهتمام؟"، فجر في قلوبنا سؤالاً أزلياً يمس جوهر العلاقات الإنسانية. إنها الصرخة الصامتة التي يطلقها كل من وهب روحه ووقته لمن يحب، ليفاجأ بجدار من البرود أو التراجع في المكانة.
لكن، هل يُعقل حقاً أن يكون العطاء والاهتمام مفسدة؟
إن الإجابة تكمن في فهم التوازن النفسي للبشر. الإنسان بطبعه، حين يغرق في فيض من الاهتمام دون شروط أو حدود، قد يفقد القدرة على تقييم ندرة هذا العطاء. يصبح الوجود الدائم والاقتراب المطلق أمراً مضموناً، والمضمون في لغة العلاقات الإنسانية -للأسف- يقل شغفه تدريجياً. نحن لا نُفسد الآخرين بقلوبنا النقية، بل نُفسدهم حين نلغي مسافات الاحترام الإنساني الفاصلة، وحين ننسى أن للنفس كرامة تتطلب ألا تُهدر مشاعرها في غير موضعها.
الاقتراب ليس خطيئة، والاهتمام هو أسمى لغات الوفاء، لكن المشكلة تكمن في غياب "المسافة الآمنة". تلك المسافة التي تجعل الآخر يشعر بقيمتك، ويدرك أن هذا القرب هو خيار نابع من حب، وليس فرضاً أو ضعفاً. فالشمس التي تدفئ الأرض، تحرقها إن اقتربت أكثر من اللازم.
لذلك، لسنا نادمين على عمق ما قدمنا، فالإناء ينضح بما فيه، ونضح قلوبنا كان حباً واهتماماً. غير أن الدرس الذي نتعلمه من قسوة هذه المقولة، هو أن نمنح القرب لمن يقدر خطوتنا نحوهم، وأن نجعل للاهتمام وزناً يُقاس بالتبادل،(( عارف الشراري ))