@n.urij: ليست كلُّ صفةٍ تُكتسب بالتكلّف تُصبح جزءًا من المرء، وليست كلُّ هيئةٍ يُتقن صاحبها تقليدها تمنحه حقيقة ما يُحاول الظهور به؛ فثمّة فرقٌ شاسع بين من خُلِق وفيه من التفرّد ما يجعله لافتًا دون أن يتعمّد لفت الأنظار، وبين من يقضي عمره في محاولة ارتداء شخصياتٍ ليست له، ظنًّا منه أن المظهر قادرٌ على ستر خواء الجوهر. فالمميّز حقًّا لا يحتاج إلى أن يُعلن اختلافه، ولا أن يتكلّف الغموض ليبدو عميقًا، ولا أن يتصنّع الثقل ليُحسب له ألف حساب؛ لأن ما يسكن الإنسان بصدقٍ يظهر في أبسط تفاصيله، في حديثه، وفي صمته، وفي طريقة فهمه للأشياء، أمّا ما يُصطنع فلا يلبث أن ينكشف مهما أُحكم تمثيله. والمفارقة أن بعضهم، من شدّة حرصه على أن يبدو استثنائيًّا، يفقد أبسط ملامح طبيعته، فيتحوّل من شخصٍ عاديّ إلى نسخةٍ مرتبكة تحاول إقناع الجميع بصورةٍ لا تستطيع أن تعيشها على سجيتها. فالتفرّد ليس دورًا تؤدّيه، ولا قناعًا ترتديه، ولا هيئةً تستعيرها من الآخرين؛ إنّه أصالةٌ تسكنك، فإن لم تكن في جوهرك، فلن يصنعها لك التظاهر، بل سيجعل منك مشهدًا مبالغًا فيه لشخصٍ يحاول أن يكون ما ليس هو.